-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
خارطة الاصطياف تتغير تدريجيا

تبلغها بواسطة القوارب… الشواطئ المعزولة قبلة الباحثين عن الهدوء

ب. ياسين
  • 124
  • 0
تبلغها بواسطة القوارب… الشواطئ المعزولة قبلة الباحثين عن الهدوء
ح.م

مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تختار عشرات العائلات بعين تموشنت وجهة مختلفة لقضاء يوم على الشاطئ، بعيدا عن الشواطئ المحروسة التي تعرف اكتظاظا كبيرا، حيث تستقل قوارب صغيرة للوصول إلى خلجان وشواطئ معزولة لا يمكن بلوغها إلا عبر البحر، في مشهد أصبح يتكرر كل موسم ويعكس بحث المصطافين عن الهدوء والأمان.
فمنذ الساعات الأولى من الصباح، يتوافد المواطنون إلى المرافئ الصغيرة ونقاط انطلاق القوارب، حاملين معهم الشمسيات، والمؤونة، وألعاب الأطفال، استعدادا لرحلة بحرية قصيرة تدوم ما بين عشر وعشرين دقيقة، تقودهم إلى شواطئ بكر تحيط بها المنحدرات الصخرية، حيث المياه الصافية والطبيعة الخلابة بعيدا عن الضجيج.
وتؤكد العديد من العائلات أن هذا الخيار لم يعد مجرد نزهة، بل أصبح ضرورة لتجنب ما يرافق بعض الشواطئ المعروفة من مظاهر الفوضى والازدحام، فضلا عن بعض السلوكيات التي تفسد متعة الاستجمام. ويرى كثيرون أن قضاء يوم كامل في مكان هادئ يوفر للأطفال فرصة للعب والسباحة في أجواء مريحة، كما يمنح الأولياء راحة نفسية بعيدة عن الصخب والضغط الذي يميز بعض الشواطئ المعروفة خلال ذروة الموسم الصيفي.
ويقول عبد القادر، وهو رب أسرة جاء رفقة زوجته وأطفاله: “أصبحت أفضل دفع تكاليف النقل بالقارب على قضاء يوم كامل وسط الضجيج والمشاكل، هنا يجد الأطفال مساحة للسباحة واللعب بأمان، كما نشعر براحة نفسية أكبر.”
أما فاطمة، فتؤكد أن الشواطئ المعزولة توفر خصوصية للعائلات، مضيفة: “في بعض الشواطئ المحروسة يصعب حتى إيجاد مكان لوضع المظلة، إضافة إلى الضجيج والموسيقى الصاخبة وبعض التصرفات غير اللائقة، لذلك نختار هذا المكان رغم أن الوصول إليه يتطلب ركوب القارب.”
ولا تقتصر هذه الرحلات على سكان ولاية عين تموشنت فقط، بل تستقطب أيضا عائلات قادمة من ولايات مجاورة، تفضل استكشاف السواحل الغربية والاستمتاع بالمياه الصافية والمناظر الطبيعية التي تتميز بها المنطقة، ويعتبر الكثير من الزوار أن الرحلة بالقارب تشكل جزءا من متعة الاصطياف، إذ تمنحهم فرصة لاكتشاف الخلجان والمنحدرات الصخرية ومشاهدة الساحل من زاوية مختلفة.
من جهتهم، يؤكد أصحاب القوارب أن الإقبال على هذه الرحلات يتزايد من سنة إلى أخرى، خاصة خلال عطلة نهاية الأسبوع، ويشير أحد الناقلين البحريين إلى أن أغلب زبائنه هم عائلات تبحث عن الهدوء، قائلا:
“ننطلق في رحلات متتالية منذ الصباح الباكر، والطلب يرتفع بشكل كبير في شهري جويلية وأوت، الناس تريد الابتعاد عن الاكتظاظ، ونحن نحرص على احترام شروط السلامة وتوفير سترات النجاة لجميع الركاب.”

احترام إجراءات السلامة
ويضيف بعض المهنيين أن تنظيم الرحلات أصبح أكثر احترافية مقارنة بالسنوات الماضية، من خلال الالتزام بعدد محدد من الركاب في كل رحلة، واحترام توقيت الانطلاق والعودة، مع تقديم تعليمات السلامة قبل الإبحار، وهو ما ساهم في تعزيز ثقة العائلات والإقبال المتزايد على هذا النشاط.
وتتميز هذه الشواطئ بمياهها النقية ورمالها الذهبية، كما أنها ما تزال تحتفظ بطابعها الطبيعي، وهو ما يجعلها وجهة مفضلة لمحبي الاسترخاء والتصوير واكتشاف المناظر الساحلية التي تزخر بها ولاية عين تموشنت، كما يقضي بعض المصطافين أوقاتهم في ممارسة السباحة والغوص السطحي وصيد الأسماك بالصنارة، بينما يفضل آخرون الاستمتاع بهدوء المكان وقضاء يوم عائلي بعيدا عن الضوضاء.
غير أن هذه الوجهة تفرض على المصطافين التحضير الجيد، إذ لا تتوفر في أغلب هذه المواقع محلات تجارية أو مرافق خدماتية، ما يستوجب حمل المياه والأطعمة ومستلزمات الإسعافات الأولية، مع الحرص على جمع النفايات والمحافظة على نظافة المكان، وعدم المجازفة بالسباحة في حال تغير الأحوال الجوية أو ارتفاع الأمواج، حفاظا على سلامة الجميع.
ويرى متابعون للشأن السياحي أن هذا النوع من السياحة البحرية يشكل فرصة حقيقية لتثمين المؤهلات الطبيعية التي تزخر بها سواحل عين تموشنت، شريطة تنظيم النشاط وتأطيره بما يضمن سلامة المصطافين وحماية البيئة الساحلية، كما يدعون إلى تشجيع المبادرات التي تساهم في التعريف بهذه المواقع الطبيعية مع الحفاظ على توازنها البيئي، من خلال تكثيف حملات التوعية بضرورة احترام المحيط وعدم ترك النفايات أو الإضرار بالغطاء النباتي والصخري.
ويبقى هدوء المكان، وصفاء المياه، والابتعاد عن مظاهر الازدحام أهم الأسباب التي تدفع العائلات إلى تكرار هذه التجربة كل صيف، في رحلة بحرية قصيرة تنتهي بيوم كامل من الراحة والاستجمام وسط أحضان الطبيعة، بعيدا عن صخب الشواطئ المكتظة، لتؤكد أن متعة الاصطياف لا تقاس بقرب الشاطئ، بل بجودة الأجواء التي توفرها الوجهة المختارة، وهو ما جعل الشواطئ المعزولة تتحول تدريجيا إلى خيار مفضل لدى عدد متزايد من العائلات الباحثة عن صيف هادئ وآمن.
ولا يقتصر الاعتماد على الزوارق كمصدر رزق على نقل المصطافين إلى الشواطئ العذراء، فعلى طول الساحل التموشنتي اين تلتقي زرقة البحر بصفاء الرمال في مشاهد تبدو كأنها مرسومة بعناية، تبرز شواطئ تارقة وبوزجار في ولاية عين تموشنت، كفضاء صيفي لا يكتفي بجذب المصطافين، بل يتحول كل موسم إلى ورشة عمل مفتوحة لعدد من الشباب الذين وجدوا في البحر فرصة مؤقتة للحياة والعمل معا.
في هذا المشهد المتكرر كل صيف، لا تقتصر حركة الشاطئ على السباحة أو الاستجمام على الرمال، بل تمتد إلى البحر نفسه، حيث تنتشر قوارب النزهة التي تنقل الزوار في جولات قصيرة فوق الأمواج رحلة لا تدوم أكثر من نصف ساعة، لكنها تكفي لصنع لحظات من المتعة، ولتترك في الوقت نفسه دخلا ماليا يتراوح غالبا بين 2000 إلى 2500 دينار جزائري للرحلة الواحدة، حسب مدة الجولة وعدد الركاب وظروف الإقبال.
هذه المهنة البسيطة في شكلها، العميقة في معناها الاجتماعي، أصبحت بالنسبة لعدد من الشباب في المنطقة ملاذا موسميا يخفف ضغط البطالة، ويمنحهم شعورا مؤقتا بالاستقلال المالي.

موقع مؤقت في عالم الشغل
من بين هؤلاء الشباب، يبرز مثال الشاب “ع. كمال”، وهو شاب حاصل على شهادة ماستر في العلوم التجارية، لم تكن رحلته مع العمل البحري خيارا تقليديا ضمن مساره الأكاديمي، لكنه وجد نفسه مثل كثيرين يعاني البطالة، ومع ذلك، لم يقف طويلا عند حدود الانتظار، بل اختار أن يحول موسم الصيف إلى مساحة إنتاج، يقود فيها قاربا صغيرا ينقل الزوار في جولات ترفيهية على سواحل تارقة وبوزجار.
كمال، كما يصفه بعض رفاقه، لا يرى في هذه التجربة تناقضا مع شهادته الجامعية، بل يعتبرها مرحلة واقعية تفرضها الظروف، وفرصة لتطبيق روح المبادرة بدل الركون إلى الفراغ، بين رحلة وأخرى، يلتقي بزوار من مختلف الولايات، يشرح لهم تفاصيل البحر، ويحرص على أن تكون الجولة آمنة وممتعة.
ورغم بساطة العمل، إلا أن دخله في ذروة الموسم الصيفي قد يكون كافيا لتغطية جزء معتبر من احتياجاته السنوية، وهو ما يفسر إقبال عدد من الشباب على هذا النشاط الذي لا يتطلب تجهيزات معقدة بقدر ما يحتاج إلى خبرة في التعامل مع البحر وحسن تسيير العلاقة مع الزبائن.
ومع ذلك، تبقى شواطئ عين تموشنت، أكثر من مجرد وجهة سياحية، إنها مساحة يلتقي فيها البحر بالاقتصاد البسيط، اين يحاول شباب مثل كمال أن يصنعوا لأنفسهم مكانا مؤقتا في خريطة العمل، حتى ولو كان ذلك فوق سطح الماء، بين موجة وأخرى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!