تبّا للذين “يسارعون فيهم”
من نحن؟ لماذا يصر البعض على إخراجنا من انتمائنا وهويتنا وعقيدتنا ومن الإطار الذي حدده لنا ربنا: أمة شاهدة خيِّرة متحابة متوادة بأسها على من عاداها؟ لماذا يحاول البعض أن يخلق لنا عدوا غير العدو ويذهب يلثم أقدام الأعداء الحقيقيين وينتهك كل ما هو محرّم من دم ومال وشرف؟
لم تحز أمة ما لدى أمتنا من منهاج يفسر لها الظواهر، ويحدد لها سمات العدو ومنهجه، ويثبِّت في العقل مرجعياتٍ للفهم والعمل، ويُبرز معيارا لا غبش حوله.. ولعلّ هذه المنحة الإلهية من أعظم المنح التي تسمو بالعقل والوجدان وتنبِّه إلى سبل النجاة في المحن والفتن.
ولأننا أمة حضارية استمرت في شهادتها التاريخية أكثر من عشرة قرون، كنا المجال المستهدف من قبل حضارة الغرب التي انحرفت إلى عدم التوازن، وفقدت المعيار الأخلاقي، وانتشرت بقوة الخديعة والجريمة في إبادة شعوب وتدمير مقومات شعوب أخرى، وإهانة أمم واستعبادها، وإلحاق الجميع كعبيد خدام للتفوق المادي الغربي.
هذه هي حالنا مع العدو الذي أصرّ على أن يكون عدوا لنا في كل الأوقات وفي كل المجالات، ولا يرانا إلا حسب غريزته الشريرة وأنيابه تلغ في دمائنا.. وكم تأكله نار الحقد وهو يرى مدننا وتراثنا ومكتباتنا فيعمد مباشرة إلى حرق المكتبات وتدمير المدن، وانظروا ماذا فعل في الجزائر، وما يفعل الآن في العراق وسورية.
هذا يدعونا إلى التبرؤ من الاستعماريين، ويدعونا إلى عدم التفريط في حقنا الإنساني في التصدي لهم والدفاع عن كرامتنا وحقوقنا الإنسانية، وهنا تبرز الأمة من جديد النقيض المنهجي والطبيعي لحضارة الشر والجريمة.. والمعركة بين الأمة بضميرها ووعيها وبطلائعها الحرة الشريفة، وبين الغرب بجحافل جيوشه ومخابراته وإعلامه ورأسماله وأساليبه الجنونية…
ولكن للأسف، برزت قوى من أفراد وجماعات وأنظمة حكم اختارت أن تكون على ولاء للعدو، تمدّه بأسباب التقدم، وتدله على مكامن الضعف في الأمة، وتفتح له الدروب المغلقة، وتشرْعن له جريمته، وتغطي خططه وحروبه.. هؤلاء يحدِّدون موقعهم في الزمان والمكان؛ إنهم جزءٌ من الهجمة على الأمة حتى لو تسمَّوْا بأسمائنا، وانتحلوا مظاهر تديُّننا، ورفعوا من الشعارات الفارغة ما يريدون من خلاله خداعنا.. إنهم من جبهة العدو، بل هم أخطر خنادقه؛ لأنهم يثيرون فينا الفتنة، والفتنة أكبر وأشد من القتل.. بمعنى أنهم بانخراطهم في مشروع العدوّ يسيئون إلينا أكثر. ويسيئون إلينا بشكل أعمق.
وعند مناقشة رأي هؤلاء الموالين للغرب، خدام مشاريعه في المنطقة، تستمع إلى منطق غريب، إذ يقولون إننا لا نملك إلا السير مع معطيات الواقع، وإن الأمريكان هم القوة المتحكِّمة في الكون، وإن من يريد النجاة فعليه بتمتين صِلاته مع الكيان الصهيوني.. وهكذا تصبح العلاقة بالكيان الصهيوني جواز سفرهم للدخول في الخدمة المتماهية للمشروع الغربي.. ومن هنا يطلّ علينا القرآن الكريم ليصف الحالة بدقة منهجية بالغة معجِزة فيقول ربُّنا عز وجل: “وترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة”.
بعد هذا التفصيل: أين يجد الأحرار في أمَّتنا مكانهم وموقعهم وأين تجد الأمّة مصلحتها ومستقبلها؟ أين تجد القوى الشريفة نفسها؟ بلا تردد إنه خندق فلسطين ضد الصهيونية والغرب، خندق المقاومة ضد المشروع الغربي، خندق العداء للاستعمار والتدخل الخارجي في بلادنا.. ولن يجد العدو من الأحرار أي جهد للتوادّ والتصافي.. وهنا يحكم ربنا المشهد كله في هذا الصراع المحتدم ليحيا من يحيا على بيّنة، ويهلك عملاء الغرب الخائنون لفلسطين والأمة على بيّنة، يقول عز وجل: “فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادمين”.. تولانا الله برحمته.