تحولت مهنة “منظف” إلى “زبال” في العقلية الجزائرية!
لم يختاروها رغبة منهم، لكن القدر شاء لهم هذه المهنة، فبين حتمية العمل ونوعه تتلاقى سواعد شباب وكهول يجوبون الطرقات والأزقة بحثا عن القمامة، هم الوسيط الأول في إيصال هذا الكم الهائل من القاذورات إلى المزبلة، بين قسوة العمل و الإشمئزاز منه، وبين كلمة “الزبال”، يقضي هؤلاء البشر يومياتهم في مطاردة القاذورات في كل مكان، غير أنه وللأسف فإن الكثير منا يصعب عليه وضع القمامة في مكانها، لكن من السهل عليه أن يدعو هذا الفرد “بالزبال” بدلا من “عامل نظافة”، لم يكن من الصعب الوصول إلى هؤلاء الأفراد، فهم يتواجدون في كل مكان بالقرب من القمامة لمحاربتها، فصح لهم الفوز بشق من الإيمان وهي النظافة.
تعددت السواعد والقمامة واحدة
حينما يكون الناس نياما، تبدأ سواعد شباب وكهول بمختلف الأعمار في العمل لمكافحة ما يشوه الطرقات والأماكن العمومية وغيرها، تراهم منحنون في الأماكن الضيقة والوعرة إلى درجة الإرتكاز على الركبتين لسحب القاذورات من تحت السيارات والمراكب، يصعدون السلالم والعمارات في كل مكان، فالكيس الأسود لا يليق بهم، يطاردونه حتى في أبعد الأماكن مادامت القاذورات تنتشر في كل حد وصوب، حتى وإن خصصت لها أماكن لوضعها، كان عملهم يقتصر على حمل القمامة فحسب، فتحول إلى البحث عنها، ثم جمعها، ثم حملها، فهذا العمل الإضافي ليس رغبة منهم، بل هي إرادة السكان والأفراد الذين يرمون كل شيء انتهت صلاحيته في كل اتجاه، من دون عناء وضعها في الأماكن الخاصة بها، لا ندري هل هذا ناتج عن تربيتنا أو لعدم الإكتراث بجهد هؤلاء الأفراد الذين انحنت ظهورهم بحثا عن ما يشوه مناظر الطبيعة ويعيق حياة الأفراد.
ندعي الثقافة…
إلا ثقافة وضع القمامة في المكان المخصص لها!
معروف عند عامة الناس أن الشعب الجزائري يفقه في كل الأمور المحيطة به، يتحول بين حين وآخر من رجل سياسة إلى مستشار إقتصادي، يصبح محللا رياضيا ويمسي رجل دين، وهي طبيعة الكثير من الأفراد الذين يدعون الثقافة والعلم في شتى المجالات، بل يجزمون على النتائج والإفتراضات، غير أن الثقافة الوحيدة التي لا يفقهها الكثير منا هي وضع القمامة والقاذورات في مكانها المخصص لها، حتى وإن اعتبرت من السلوكيات الحضارية، فمنهم من يضعها على حافة الطريق، بل ومن النساء من تقذفها من أعلى الشرفات، والكثير منا يتركها بالقرب من باب الدخول، و في بعض الأحيان توكل مهمة رميها للأطفال الصغار!، و بما أنهم لا يدركون من الأمر شيئا، يضعونها في أقرب مكان للعبور..
و المؤسف أن المسافة بين المكان الذي ترمى فيه القاذورات ومكان رميها الأصح والسليم لا تتعدى بضعة أمتار! وإن حدثت البعض منهم على هذا الفعل يقول لك: “يوجد “الزبال”.. هو من يقوم برميها”، بل منهم من يتطاول عليه ويقول:” ولماذا إذا يتقاضى أجره إن قمت أنا بوضغ القمامة في مكانها و رميها؟!”، والأمر لا يتطلب رميها، بل وضعها في مكانها الصحيح فقط، وهو ما عجز عنه الكثير!
من ينظف فهو رجل نظافة
إلا في القاموس الجزائري يصبح “زبال”!
المعروف أن من يقوم بعملية التنظيف هو “رجل نظافة” ، لكن في القاموس الجزائري جرت العادة على أن يوصف ب”الزبال”، هذه الكلمة السيئة حتى في كتابتها تحمل أكثر من دلالة عن الإحتقار لهؤلاء الأفراد، حتى وإن كانت النظافة لا تعنيهم هم فحسب، بل لا تعني حتى مكان سكناهم، فمنهم من ليس بإبن المنطقة التي يقوم فيها بهذا العمل، لكن وبالرغم من أنه عمل شريف – مادام الفرد لا يسطو، ولا يسرق ولا يتعدى على حقوق الغير، بل يحارب الوسخ الذي هو من عمل الشيطان- فقد طاردتهم هذه الكلمة في الكثير من الأحيان، ولازلنا نستعملها في كلامنا اليومي و لا نعتبرها من الكلمات المؤذية! لذا فنحن نحتاج إلى تربية وثقافة ووعي من أجل مسح هذا المصطلح من قاموس كلامنا حتى من باب المزاح.
“حالتي الإجتماعية بائسة وأولادي يلقبون بأبناء الزبال”
إن الحديث إلى كمال أو سليم أو محمد هو الأمر نفسه، وهم من أصحاب البدلات الخضراء أو بالأحرى “عمال النظافة” الذين نصادفهم في أوقات عديدة من يومنا، ملامح تعيسة إلا للقليل منهم، حالة إجتماعية مزرية والأذى أكثر..
“يعرف العام والخاص حالة بلدنا، لسنا مخيرين في هذا العمل، لكن الله قدره علينا والحمد لله”.. هي أول الكلمات التي نطق بها كمال، شاب قارب العقد الرابع من عمره، لا هو حزين ولا هو عكس ذلك، لكن راض بما قدره الله في قسم رزقه، هو من أحد الأفراد الذين يداهمون القمامة في غفلتها وهي تستند إلى الأبواب والأعمدة أمام المساكن في الأحياء، لا يهمه من عمله أكثر من أن يتفادى كلمة “زبال”، لأنها تترك أثرا معنويا بالغ الأذى في مخيلته: “يصبحون نياما ونحن ننظف لهم الطرقات والشوارع، وفي الأخير نوصف بهذه الكلمة! في الحقيقة لا نسمعها من كل الناس، لكن ندركها في أعينهم ، وصادفناها قبل العمل في هذه المهنة وقد ألفناها، ونسمعها من أفواه الكثير من الأفراد في الكثير من الأحياء التي لا نسكنها، فنحن بشر نعيش هنا ولسنا من كوكب آخر على كل حال”. لم يقتصر ضرر هذه الكلمة عليهم فحسب، فالأولاد كذلك يعاقبون بأثر رجعي عليها: “الكلمة لها أثر رجعي سلبي على أولادنا، فيقال لهم “أولاد الزبال”، وعندما أسمعها من بعض الحثالة أحس أنني أقوم بعمل غير لائق، يخدش الحياء و لا يتشرف به أولادي!..على كل حال، العمل في هذه المهنة خير لي من التسول أو مد يدي إلى إخوتي أو أصدقائي، المهم بالنسبة لي هو أنني أقوم بعمل شريف، أما مناداتي بهذه الكلمة أمر أصبح لا يهمني أكثر من الحصول على خبز حلال تأكل منه “سناء ” ابنتي ـ يبتسم ـ “.
من منا من لا يود التماس الإحترام من الناس وسماع كلام المدح والفخر من الأفراد المحيطين به؟ من منا لا يغضب حين يوصف بألقاب تخدش كرامته وتهز كبرياءه ؟ لا أحد طبعا، هو الأمر عينه مع هؤلاء الأفراد الذين هم “عمال نظافة” وليسوا “عمال زبالة”، حالهم كحالنا، بل أكثر شأنا من العديد منا..
فشتان بين من ينظف ومن يوسخ، بين من يضع القمامة في مكانها ومن يرميها في الهواء ولا يبالي أين تقع.. ماذا لو قاطع هؤلاء الأفراد هذه المهنة؟ من منا مستعد للقيام بها؟ لا أظن، مادام المنظف المحارب للقاذورات أصبح “زبالا” في مجتمع ترمى فيه القمامة من الشرفات!