-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ترامب ينفخ في أتون الحرب

ترامب ينفخ في أتون الحرب

دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية شهرها الثاني، ولا شيء في الأفق يوحي بانفراج قريب، بل على العكس من ذلك، مع كل أسبوع جديد نشهد تصعيداً جديداً واستخداماً لأحدث الأسلحة وأشدها فتكاً من هذا الطرف أو ذاك، لا أمل في وقف الحرب في اللحظة الراهنة رغم الدعوات إلى التهدئة من جهات الوساطة والمنظمات الإنسانية، فحسابات الحرب فرضت نفسها وأصبح مجرد التفكير في وقفها عند بعضهم خيانة للجهود المبذولة في الميدان وللأهداف المسطرة التي لا ينبغي وقف الحرب دونها.

أمام هذا الوضع المتأزم، يحبس العالم أنفاسه أمام تطورات غير مسبوقة قد تدخله في دوامة ستكون لها تداعيات خطيرة على الكل وليس على الأطراف المتحاربة وحسب.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروف بشخصيته الكاريزمية التي لا تقبل التنازل ولا ترضى بأقل من استسلام الخصم، لن يفكر في وقف الحرب على الأقل في الوقت الراهن قبل أن يحقق الأهداف التي أعلنها، وهي تدمير البرنامج النووي الإيراني ونسف مخزون اليورانيوم المخصب الذي قد يُمكّن إيران -حسب قوله- من صنع القنبلة النووية مما يصعّب مستقبلاً من مهمة إخضاعها عسكرياً. يُعرف عن ترامب تصريحاته الإعلامية التي تحمل الشيء ونقيضه في الوقت ذاته؛ فقد ذكر في بعض تصريحاته أن الحرب توشك على نهايتها ثم عاد ليقول إن الحرب قد تستمر أربعة أسابيع أو أكثر. وهذا التناقض في التصريحات مردّه إلى ما يرده من معلومات من الميدان ربما كانت متسارعة وغير دقيقة، وربما تعمد ذلك لتهدئة الشارع الأمريكي الذي يرفض جزء كبير منه هذه الحرب التي يصفها بعض المعارضين بأنها حرب عبثية وبأن ترامب يخوضها لحماية إسرائيل وليس لحماية أمريكا، وهو الموقف الذي يتعارض -حسبهم- مع شعاره الانتخابي: “أمريكا أولاً”.

لدونالد ترامب في هذه الحرب رهانات ستة: أولها الرهان على تغيير النظام الإيراني من الداخل وتشكيل نظام بديل ديمقراطي لا يشكل تهديداً لجيرانه ويقبل بقواعد المعاملات الدولية. ولكن يبدو أن ترامب قد خسر هذا الرهان بعد تمكن النظام الإيراني من وقف الاحتجاجات الشعبية. كان الرهان الأمريكي كبيراً وكان الثمن في الجانب الإيراني باهظاً؛ فالعصيان المدني لا تكون نتيجته في الغالب هيئة بل مؤلمة، ليس هذا في إيران وحدها بل في كل الدول التي شهدت اضطرابات اجتماعية، لأن النظام القائم سيستخدم كل الوسائل لمعالجة مشيري الشغب من أجل العودة إلى الوضع الطبيعي. يقول العارفون بالشأن الإيراني إن النظام الذي تقوم عليه الجمهورية الإسلامية في إيران نظام محكم ومعقد وغير قابل للتفكيك والدليل على ذلك -حسبهم- محاولات تغيير النظام التي حدثت في السابق والتي لم تزد النظام إلا تماسكاً وتشبثاً بالخط الثوري الإسلامي الذي وضعه مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني والذي يسير على منواله القادة الإيرانيون تحت إمرة المرشد الأعلى.

ثاني هذه الرهانات ضرب البنية التحتية ومحطات إطلاق الصواريخ الباليستية من أجل إضعاف قدرات إيران الصاروخية وتقليص التكلفة الحربية وحسم الحرب لصالح أمريكا وإسرائيل، ولكن الأخبار القادمة من الميدان تؤكد أن إيران أظهرت قدرة نوعية في هذا الجانب، وبأن وتيرة الهجومات الصاروخية المكثفة والمركزة على القواعد الأمريكية وعلى مراكز حساسة وإستراتيجية في الكيان الصهيوني تدل بما لا يدع مجالاً للشك بأن ترامب قد خسر هذا الرهان أيضاً.

وثالث هذه الرهانات هو رهان ترامب على تحالف دولي ضد إيران، ولكن يبدو أن هذا الرهان خاسر كسابقه، فحتى دول الخليج المتضررة من الهجمات الإيرانية ترفض الدخول في مواجهة مع إيران بل هي حريصة كل الحرص على حماية أراضيها ومواطنيها ومقيميها، أما الدول الأخرى وخاصة الدول الوازنة مثل الصين وروسيا فقد رفضتا الانضمام إلى هذا الحلف الدولي الذي يسعى ترامب لتشكيله لأنها من جهة تنتهج خطاً مغايراً للخط الذي ينتهجه ترامب، ومن جهة أخرى تنظر إلى إيران على أنها حليف استراتيجي وبأن الحرب واقعة عليها ولم تُدعَ هي إليها، وحمّلت ترامب ونتنياهو تبعاتها ونتائجها الكارثية على العالم وعلى السلم الدولي. أما الدول الأوروبية فقد اكتفى معظمها بالإسناد ونأت بنفسها عن المشاركة فيها، وتعد ألمانيا البلد الأوروبي الرافض وبشدة لكل مظهر من مظاهر الإسناد أو دخول معترك الحرب، بل رفضت هذه الحرب ومنطق الإغراق الذي ينتهجه ترامب.

رابع هذه الرهانات هو مخطط ترامب للسيطرة على جزيرة خرج الإيرانية التي تُعدّ المنتج الأهم لأكثر صادرات النفط في العالم، ولكن من الواضح أن هذا الرهان خاسر أيضاً لأن أي استهداف لجزيرة خرج ستكون له انعكاسات خطيرة على أسواق النفط وسيؤدي إلى أزمة نفطية كبيرة سيدفع ثمنها البلد المصدّر والبلدان المستوردة في آن واحد، وما سيزيد هذا الوضع تفاقماً هو تصريح وزير خارجية إيران عباس عراقجي بأن أي استهداف لجزيرة خرج سيحرّر إيران من أي التزام وسيدفعها إلى ضرب كل الأهداف الأمريكية حيثما وُجدت عملاً بمبدأ المعاملة بالمثل.

خامس هذه الرهانات، هو الرهان على بسط السيادة على مضيق هرمز وفتحه أمام الملاحة الدولية، وقد صرّح ترامب في هذا الصدد بأن بلاده لن تسمح باستمرار تحكم إيران في هذا المضيق وستعمل مع شركائها على إنهاء هذا الوضع و”تحرير” مضيق هرمز. ولكن يبدو أن هذا الرهان خاسر أيضاً بدليل أن ترامب لم يستطع وضع تهديداته موضع التنفيذ ولا يزال المضيق إيرانياً بامتياز، ولا تزال إيران تقرر لمن تأذن بالمرور ولمن تمنع، والوضع مشوب بالكثير من الأخطار التي لم يحسب لها ترامب حساباً والتي قد تُدخل العالم في المجهول.

سادس هذه الرهانات هو الرهان على استهداف القيادات الإيرانية التي يعتقد ترامب بأن استهدافها يشكل عاملاً مهماً في كسب رهان الحرب، لاعتقاده بأن القضاء على القيادات يمثل أقصر الطرق لهزيمة إيران وإعلان النصر، لكن تبيّن بعد سلسلة اغتيالات واستهدافات وآخرها اغتيال علي لاريجاني والمتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني بأن النظام لم يتصدع وبأن استبدال القيادات المستهدفة جرى بطريقة سهلة وسلسة كما هو الشأن بالنسبة لانتخاب مجتبى حسيني خامنئي لتولي منصب المرشد الأعلى بعد اغتيال والده علي خامنئي، وقد أبدى مجتبى في أول خطاب له موقفاً أكثر تشدداً من موقف والده تجاه الولايات المتحدة الأمريكية وتوعّد بالانتقام الثائر وإيلام العدو الصهيوني والأمريكي بكل الطرق المتاحة. كما أكّد أن سر استمرار النظام الإيراني هو في طبيعته التي لا تقوم على الولاء للقائد بقدر ما تقوم على الولاء لقيم الجمهورية الإسلامية التي وضع معالمها وخط نهجها الإمام آية الله الخميني، فهذه القيم هي التي تشكل المرجعية وليس المراجع الدينية كما يعتقد بعض الجاهلين بطبيعة النظام الإيراني الذي تشكّل بعد إسقاط نظام محمد رضا بهلوي في فبراير 1979.

بعد كل هذا، ما هي تداعيات الحرب؟ وبصيغة أخرى إلى أين تتجه هذه الحرب التي فشلت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في احتوائها ووقفها رغم الدمار الكبير الذي أحدثته وعلى كل المستويات؟ قد تتوقف هذه الحرب في أي لحظة تبعاً لمزاج ترامب المتقلب، ولكن تداعياتها ستستمر لسنوات وربما لعقود، ومن هذه التداعيات أن الخسارة الكبيرة التي تكبدتها المواقع النفطية لن يجري تداركها وبسرعة وستحتاج إلى وقت طويل لإصلاح الأضرار التي لحقت بها. فهل سيحسم ترامب الحرب وتستسلم إيران؟ أم أن الحرب مفتوحة على المجهول ومرشحة لكل الاحتمالات؟

بعد فشل هذه الرهانات والتأكد من أن إيران مستعدة لحرب استنزاف طويلة الأمد، إلى متى يظل ترامب ينفخ في أتون الحرب التي كلفت الخزينة الأمريكية ملايير الدولارات؟ هل سيستمر في الحرب إلى ما لا نهاية مع نهاية يكتنفها الغموض وقد تكون صادمة له ولإدارته وقد يمتد أثرها إلى العالم كله بالنظر إلى أن الحرب الحالية تدور رحاها في منطقة الشرق الأوسط التي تمثل الشريان الأكبر النابض بالحياة؟ هل سيضغط الكونغرس الأمريكي على دونالد ترامب لوقف الحرب؟ أم أن هذا الأخير سيتمسك بحقه الدستوري كقائد أعلى للقوات المسلحة ويواصل الحرب إلى غاية تحقيق الأهداف التي وضعها بغض النظر عن كلفتها الثقيلة وتداعياتها الخطيرة على منطقة الشرق الأوسط وعلى العالم؟ وهل سيستمر ترامب في دعم حليفه الاستراتيجي بنيامين نتنياهو الذي يجد في استمرار الحرب استمراراً له ولحكومته التي تواجه معارضة شديدة ومتصاعدة داخل الكيان الصهيوني؟ هذه مجرد تساؤلات، وتبقى مجريات الحرب هي الكفيلة وحدها بالإجابة عنها فلننتظر ونرى إلى أين تؤول الأمور.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!