تركيا ورمضان .. نموذج يقتدى به
تركيا التي تتلمس طريقها نحو العودة الى حضن الامة الاسلامية وتبني قضاياها بعد ان جرفها التغريب والعلمنة طويلا، تعيش منذ فترة من الزمن سنة حميدة نجحت الجمعيات الخيرية وبلدية اسطمبول والحكومة في ابرازها، الا وهي استخدام الساحات العامة والاماكن المتسعة في شهر رمضان لإقامة افطار جماعي لمئات آلاف الصائمين الاتراك.
-
وأصبح هذا المشهد واحدا من ابرز معالم الاحتفاء برمضان في تركيا، بالاضافة الى ابتهاج المساجد ليلا بإنارة المآذن وتلاوة القرآن والزحف نحو صلوات التراويح..
وفي سابقة لطيفة، جمع مبلغ خمسين مليون دولار من رجال الاعمال وأهل الخير الاتراك هذه السنة لمساعدة الاسر المستورة، توزع على بطاقات تقوم الاسرة بموجبها بشراء ما تحتاج من الغذاء طيلة شهر رمضان.. هذا فضلا عن وجود موائد الرحمن المنتشرة والرائعة والتي لا تتوقف زيارتها على المحتاجين، بل هي مفتوحة للجميع وبطريقة مشرفة وكريمة .
ان الملتفت الى الحياة في تركيا في السنوات الاخيرة يكتشف ان كل محاولات العلمانيين وأصدقاء الغرب لم تتمكن من طمس معالم الهوية الحضارية لبلد قاد مسيرة الامة اكثر من اربعمئة عام باقتدار وتألق .
المجتمع التركي المعتز بإسلامه وبعثمانيته يجد هذه الايام تحديات كبيرة، فهناك المصالح التي تشد الدولة نحو الغرب ومحاولات ادماجها في الاتحاد الاوروبي رغم تخوفات عميقة لدى الاوروبيين.. وهناك الانتماء والهوية وأيضا المصالح التي تشده نحو العرب وقضاياهم وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.. وهنا يكتشف الاتراك ان المسألة اكثر تعقيدا مما تصوروا في لحظة ما.. فكل همسة وكل كلمة لمصلحة الامة ودينها ينطق بها المسؤولون الاتراك ذوو الميول الاسلامية يحاسبون عليها مباشرة وبلا تأخر.. فعندما حاولت تركيا الخروج عن الصمت حيال الحصار المفروض على غزة وقامت بتصرف انساني لكسر الحصار واجهتها اسرائيل باستهتار وعدوان ادى الى استشهاد تسعة من المسلمين الاتراك ولم تستطع تركيا ان تخرج عما هو مرسوم لدولة من حلف الناتو تجاه اسرائيل.. وردا على الموقف التركي الشعبي والرسمي الذي طالب باعتذار اسرائيلي ورفع الحصار عن غزة لإعادة العلاقة مع اسرائيل لسابق عهدها.. ردا على هذا الموقف دفعت تركيا ثمنا غاليا تمثل في ازدياد هجمات الاكراد الانفصاليين المسلحة والمزودة بتقنيات عسكرية اسرائيلية وخبراء عسكريين اسرائيليين يتواجدون في كردستان العراق من زمن طويل، كما ان الموقف الامريكي كان واضحا برفض طلبات الاتراك الخاصة بطائرات بدون طيار .
فيما يخص مجتمعهم والتنمية الاقتصادية وعنصرها الكبير المتمثل في السياحة التجارية، يكون الاتراك قد حققوا شيئا متقدما يدعو للإعجاب والاقتداء، ولكن المسافة طويلة لكي تستعيد تركيا هويتها ودورها الاقليمي بناء على انتمائها الحضاري.. فلا زالت تركيا مرتبطة بعلاقات استراتيجية مع اسرائيل صناعية وتجارية وأمنية هي الاكثر توسعا في المنطقة.. ولا زالت تركيا عضوا فاعلا في حلف الناتو وتقوم بما عليها من مهمات استراتيجية.. ومن جهة اخرى لم يستطع البرلمان التركي رغم اغلبية اعضائه الاسلاميين من طرح مشاريع قانونية تقترب من الاسلام وشعائره وقوانينه .
ومن هنا فكما ندعو للاقتداء بتركيا على صعيد النهضة الاقتصادية والتكافل الاجتماعي، الا انه ليس من المنطق ان يعتقد احد ان الموقف التركي من قضايا الامة وعلى رأسها القضية الفلسطينية هو الموقف الافضل.. فدون ذلك خطوات عديدة وتضحيات كبيرة ستدفعها تركيا ان ارادت.. ومع تثمين الموقف التركي المقترب من الموقف العربي في قضية فلسطين والصراع مع الكيان الصهيوني، الا انه لكي لا نحمل على الظنون والامال الكاذبة فليس من المحتمل ان يتم تطور كبير قريبا على الموقف التركي..
تركيا في مرحلة حرجة.. فرغم كل التطمينات التي يقدمها الاتراك للاوروبيين الا ان انتظارهم على بوابة الاتحاد الاوروبي طالت بها السنون وأرهقها التسويف ولا أبلغ من التسويف طارد.. ورغم تكرار القول التركي بأن اسرائيل دولة صديقة واستمرار الحرص التركي على الشراكة مع اسرائيل في مجالات حيوية كثيرة .. الا ان ذلك لن يجعل تركيا صديقة للغرب واسرائيل .. ولن يرضى عنا اليهود والنصارى حتى نتبع ملتهم .
يأتي رمضان في كل عام يحمل لنا معان كثيرة، يجيء ليذكرنا ان لنا امتدادت طبيعية كثيرة منتشرة في العالم تشاركنا المعتقد والمرجعية والحضارة.. بل والمصير المشترك.. وهذا يعني انه من الضرورة ان تمتد بين الامة خطوط التواصل لتكافل اكبر اقتصاديا وسياسيا، وهذا من شأنه ان يساعد كل المتورطين بعلاقات مخلة بإسرائيل وامريكا الى توفير مناخات طبيعية للتحرر من استراتيجيات الغرب، والانضباط بمصلحة الامة العليا، فالمؤمنون بعضهم اولياء بعض .