تطاول على آيات الله!
كنت أستمع ـ مكرها ـ إلى ذلك الشاب الذي جمعتني به مناسبة سعيدة حول مائدة عشاء في منزل صديق مشترك وهو يعرب عن إعجابه بما حققته المرأة الغربية من “انتصارات” مقابل ما تعانيه المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية من ظلم وهوان، وقال في جراءة عجيبة وتطاول لا يعرف حدا: كل ذلك لأننا – نحن المسلمين- ما نزال نرفض الاعتراف بأن في القرآن آيات تضمنت أحكاما خاصة بالمرأة تجاوزها الزمن! كيف يعيش المسلم عصره ويرضى بحكم شرعي يقضي بإعطاء الأنثى نصف ما يعطيه للذكر في الميراث؟!
وتوج ذلك كله بقوله: إن الحضارة الغربية التي يكثر المسلمون من انتقادها تمتاز بأخلاقيات في معاملة المرأة لا نجد لها مثيلا في الإسلام من ذلك مثلا أن الرجل المتحضر حقا لا يضرب المرأة ولو بوردة.. بينما “قيل لي” بأن في القرآن آية تدعو الرجال صراحة إلى ضرب النساء!
وبعد أيام استعدت – بأعصاب هادئة – ما عشته في تلك الأمسية بانفعال. وقلت في نفسي إن هذا الشاب وأمثاله كثيرون هم ضحايا “جهل مركب“، جهل بالإسلام الذي ينظرون إليه “نظرة تجزيئية” فيحكمون عليه من خلال آية أو حديث مفصول كل منهما عن سياقه الخاص ونسقه العام…وجهل بواقع الحياة في المجتمعات الغربية المنبهرين بها، وما تعانيه المرأة الغربية فيها بشكل خاص خلافا لما يبدو في الظاهر، “فليس كل ما يلمع ذهبا” كما يقول الغربيون أنفسهم.
المرأة الغربية السوية الواعية التي لم تلوث فطرتها قد صحت اليوم من نشوتها التي عاشتها بعد “تحررها” وأدركت بمرارة أن هذه الحرية المطلقة التي تنعم بها ليست أكثر من عبودية أخرى “مقنّعة” هي في جوهرها أبشع من كل ما عرفته من ظلم واضطهاد لأنها جردتها من شخصيتها وإنسانيتها.
هذه المرأة– خلافا لما تعتقد الكثيرات عندنا– تحن اليوم إلى “الأمومة” والحياة الأسرية “العادية“، وإن كان صوتها مكبوتا مغيّبا لا يراد له الذيوع والانتشار، لأسباب لا تخفى عن أحد.
جاء في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال لزوجته عائشة ذات ليلة: أتأذنين لي يا عائشة في أن أناجي ربي؟! فقالت: إني والله لأشتي قربك ولكني أوثر هواك“.
سبحان الله! حبيب الله المصطفى صلى الله وملائكته عليه وسلموا تسليما يحن إلى مناجاة ربه في جوف الليل فلا يفعل ذلك إلا بعد أن يستأذن زوجته لأنه يعلم أن لها عليه حقا رضي الله عنها وأرضاها.
سؤال وجواب تضمنا دستورا أخلا كاملا للحياة الزوجية القارة الآمنة وقد عبّرت عنه في جوابها ذاك، في إيجاز معجز هو ثمرة زكية من ثمرات التربية المحدمية “أشتهي قربك ولكني أوثر هواك“.
فليبحث هذا الشاب وأمثال هذا الشاب في أوساط المتحضرين الذين “لا يضربون المرأة ولو بوردة” هل يجدون تكريما للمرأة مثل هذا التكريم وتقديرا مثل هذا التقدير؟!
الدين الذي يُنزل المرأة هذه المنزلة: هل يعقل أن يظلمها بعد ذلك في الميراث؟!
والرجل الذي يقول له نبيه الكريم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي“، ويقول له: “واللقمة يضعها في فم زوجته صدقة“، وبتعبير “المتحضرين العصريين” إن المبلغ الذي ينفقه الرجل لشراء باقة ورد يهديها لزوجته من دون مناسبة، وإنا ليعرب لها عن حسن تقديره لها والسعادة التي أنعم الله بها عليه منذ اقترانه بها.. هذا المبلغ أثقل في ميزان حسناته مما لو أنفقه في سبيل الله!
هذا الزوج، وإذا كان يقتدي حقا بنبيه، هل يحتاج إلى قانون صارم يهدده إذا هو “ضرب زوجته أو مارس ضدها العنف اللفظي“؟! لكي يكرمها ويحسن عشرتها؟! والمرأة التي يقول لها نبيها الكريم: إن حسن تبعّلها لزوجها، أي حرصها على إرضائه وإسعاده يعدل الجهاد في سبيل الله، ويقول لها: لو كنت آمرا أحدا بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، هذه المرأة، إن كانت تقتدي حقا بنبيها الكريم، هل تخون زوجها أو تفعل شيئا يخدش في دينه أو عرضه أو كرامته؟! وهل تحتاج إلى قانون للعقوبات يحميها من زوجها فتشهره في وجهه إذا هو همّ “بضربها أو ممارسة العنف اللفظي ضدها؟!”
إن مثل هذا الأسلوب يهدم الأسرة قبل أن يبنيها أصلا؛ لأنه يجعل من الحياة الزوجية في نظر الشباب المقبلين عليها “مغامرة مصيرية” مفتوحة على كل احتمال، إذ يحل فيها “التوجس” من الآخر محل “السكون” إليه وتغيب معاني المودة والرحمة التي جعلها الله بينهما…