-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تعدّد الدايات حول حمل “ثوار النيتو” الكاذب

حبيب راشدين
  • 2093
  • 0
تعدّد الدايات حول حمل “ثوار النيتو” الكاذب

من كان يريد استشراف نتائج المفاوضات القادمة حول الأزمتين اليمنية والسورية تحت رعاية الأمم المتحدة، نحيله إلى ما آلت إليه إدارة الأمم المتحدة للمفاوضات بين الأطراف الليبية المتصارعة، في أزمة هي أقل تعقيدا وخطورة من الأزمتين الإقليميتين: السورية واليمنية، يقودها المبعوث الأممي بيرناردينو ليون من مأزق إلى آخر، بعد عرضه لمسودّةٍ رابعة مضطربة، مليئة بالمتناقضات، وملغمة بكمائن موقوتة.

حالة التفاؤل التي أشيعت غداة لقاء الجزائر لم تعمّر كثيرا، رغم الدعم الذي لقيه المبعوث الأممي من وزراء خارجية الجزائر ومصر وإيطاليا عشية لقاء الصخيرات؛ فقد فشل السيّد ليون في تحقيق الاختراق الذي كان يُنتظر من اللقاء، ولم يتمكن حتى من تحقيق توافق حول جدول أعمال الجلسة، أو جلوس المتحاورين تحت سقفٍ واحد.

وعلى ما يبدو، فإن ظهور تهديد تنظيمداعشوبداية تمدده، لم يكن كافيا لترويع الفريقين المتنازعين في ليبيا، وحملهما على الدخول بجدية في مفاوضات تقتضي بالضرورة تقديم تنازلات متبادلة، كما لم تكن رادعة لهما التهديدات التي أطلقها المبعوث الأممي وهو يصف لقاء الصخيرات بـالفرصة الأخيرة، ولا التهديدات الأوروبية بتدخل عسكري مباشر بحجّة مطاردة مافيا تهريب المهاجرين.

تعدّدت الدايات حول حمل كاذب

كل ذلك لم يفاجئ المتابعين لمسار التسوية، وقد دخلت عليه أطراف كثيرة، بأجندات متعارضة ليست معنية برعاية مصالح الليبيين، بدءا بالأمم المتحدة التي تتحمل المسؤولية الأولى في تفكيك الدولة الليبية عبر قرار مجلس الأمن القاضي بمحاربة القذافي في عام 2011، والمجموعة الأوروبية التي كانت يدها المسلحة عبر حلف النيتو، ثم بعض الدول العربية والأقليمية التي عملت كحمالة الحطب للتنور الليبي.

الأمم المتحدة وقفت تتفرج على مأساة الشعب الليبي وهو يبحث كحاطب ليل عن مخرج بين الأنقاض التي خلفها عدوان النيتو عليه في 2011، ولم تكن جادّة منذ البداية، بل لعب مبعوثها نفس الدور الذي لعبه مبعوثها الآخر لليمن، ومن تداول من مبعوثيها على النزاع السوري، فكانوا في الجملة جزءاً من المشكلة، اقتصر دورهم على منح الغطاء والوقت للقوى الدولية التي كانت لها مصلحة في إطالة عمر الأزمتين، وتطويرهما إلى صراع إقليمي متدحرج.

في الحالات الثلاث، نسجل تدخل الأمم المتحدة كطرف وسيط يضمر نية نسف المبادرات العربية، حصل ذلك في الأزمة السورية، وهي في البداية، بوأد مبادرة الجامعة العربية في المهد، كما حصل في الملف اليمني الذي سعى فيه المبعوث الأممي بن عمر إلى تمييع المبادرة العربية الخليجية، والسماح بدخول الإيرانيين على الخط، لتتحوّل أزمة بناء وفاق وطني  إلى أزمة إقليمية تؤازر وتغذي شقيقتيها في سوريا والعراق.

وافق شنٌّ طبقة

غير أنه ما كان لمبعوث الأمم المتحدة أن يعبث على هذا النحو بالنخب الليبية كما عبث زميله بنظرائهم اليمنيين لولا وجود حالة من الاستعداد عندهم للهروب من الحل، وإغلاق مسارات التسوية السلمية، وإلا كانوا استجابوا بيُسر لجهود جيران ليبيا، وتحديدا للجهود التي بذلتها الجزائر دون أدنى انحياز لهذا الطرف أو ذاك، وكان بوسعهم أن يثقوا في جيرانهم الذين يشعرون مثل الليبيين بالتهديدات الخطيرة على أمنهم من انزلاق ليبيا نحو الصوملة، ما مهّد الطريق لتوغلداعشوبنائها لقاعدة انطلاق، وبداية تمدّد لن يتوقف عند حدود ليبيا.

وليس للنخب الليبية من الأعذار ما قد يلتمسه بعضهم لنظرائهم في سورية واليمن، الغارقين في فتن طائفية وعرقية بلا حدود، مع تدخّل سافر من جيرانهم العرب والعجم، وتحوّل بلدانهم إلى ساحات مفتوحة لصراعات بين القوى العظمى تتجاوز مشاغبات القوى الإقليمية، لأن ليبيا بلدٌ متجانس عرقيا ومذهبيا واجتماعيا، غني شاسع يتسع لطموحات جميع أبنائه، وليس لجيرانه ما لجيران سورية والعراق واليمن من أطماع أو رغبة في التوسع، ويفترض أن الطرفين المتصارعين اليوم كانا بالأمس القريب على قلب رجل واحد، وكانا شريكين متضامنين في إدارة المرحلة الانتقالية، قبل أن يسقط الجميع في أول اختبار كان يلزمهم بواجب الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية.

عودة النيتو الثانية إلى بلد المختار

ثم إن مسؤوليتهم لا تقف عند ما هو في أعناقهم من التزامات أمام الشعب الليبي الجريح، بل لهم مسؤوليات تجاه جيرانهم وأشقائهم، المهددين مثلهم بما ترتب ويترتب عن غياب الدولة في ليبيا، بما قد يمنح لجيرانهم الحق في الانتقال من دور الوساطة الخيّرة، إلى خيار التدخل المباشر وبالقوة، وهم يتابعون بلا ريب ما حصل من تطورات مفجعة في اليمن، وتدخّل الجيران بقوة السلاح المدمر، وقد يكون ظهورداعشمسوغا لبعضهم أو للقوى الغربية لتبرير تدخل عسكري يدمّر ما عفا عنه عدوان النيتو الأول، وجنون الميليشيات المسلحة، وهو ليس ببعيد، مع تعاظم خطاب التحرش الأوروبي بسيادة ليبيا تحت راية كاذبة أخرى اسمها محاربةداعشومافيا تهريب المهاجرين.

ومع تفضيل الأشقاء الليبيين للوساطة الأممية المغشوشة على مساعي جيرانهم الحميدة، فسوف يكتشفون مثل أشقائهم السوريين واليمنيين أن الأمم المتحدة لم تتدخل كوسيط في نزاع يخص العرب إلا وكانت النتيجة ألعن من الأزمة ذاتها، بدءا بجرائم الأمم المتحدة الكبرى في القضية الفلسطينية، وانتهاء بتقسيم السودان، مروراً بتجويع العراقيين والليبيين بحصار ظالم، وهدم دولة الصومال من قبل، والعبث بالطول والعرض بقضية الشعب الصحراوي قرابة ثلاثة عقود، ولهم أن يتوقعوا لليبيا واحدا من هذه الحلول الأممية.

هوامش:

* ظهور تهديد تنظيمداعشوبداية تمدده، لم يكن كافيا لترويع الفريقين التنازعين في ليبيا، وحملهما على الدخول بجدية في مفاوضات تقتضي بالضرورة تقديم تنازلات متبادلة، كما لم تكن رادعة لهما التهديدات الأوروبية بتدخل عسكري مباشر بحجّة مطاردة مافيا تهريب المهاجرين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • مسلم أمازيغي جزائري

    يعجبني في مقالاتك حسن سردك للمعطيات والوقائع التي لا يذكرها كثير من الصحفيين، أما تحليلاتك فهي في الجملة ـ حسب رأيي المتواضع ـ متجانسة غير متعارضة، وإن كان قد يُعترض عليك فيها من جهات عدة.
    فبارك الله فيك على جودة مقالاتك وروعتها.