تونس ''المُلهمة'' تستبدل الشيخ الغنوشي بالمعمر السبسي
تونس التي وصفها أوباما بـ”الملهمة” لا تتوقف عن مفاجأة “علوج” العرب و”مستعربة” الغرب، وقد تحوّلت إلى مختبر في الهواء الطلق لما هو ممكن، أو مرغوب فيه، أو منهي عنه، لشعوب عربية قد أكلت بقراتها العجاف، وحل عليها العام الذي يغاث فيه الناس وفيه يعصرون، فكانت موطنا لتفجير ربيع بعض العرب، لتسلم ـ في أول استحقاق نيابي ـ قيادة القطار الديمقراطي “الملهم” لحزب يتزعمه كبير المعمرين، قد يستلم رئاسة الحكومة في الأسبوع الأول من خريفه الـ89، كان قد استوزره بورقيبة، وأمّنه بن علي على رأس البرلمان، وقاد أول حكومة مؤقتة بعد ترحيل “المخلوع”.
النتائج الأولية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية التعددية الأولى في تونس ما بعد ترحيل بن علي، تكون قد كرست أول تداول سلمي على السلطة، عاقب مكوّنات “الترويكا” التي قادت المرحلة الانتقالية، وصدّرت للواجهة حزبا تشكل منذ أقل من عامين، وفرقت شمل “الثوار” وفلول من يصفون أنفسهم بالديمقراطيين واليساريين إلى طرائق قددا، مع تحجيم النهضة، وتعقيد فرص بناء أغلبية صالحة للحكم، في نظام برلماني يجرب لأول مرة في العالم العربي.
قبل ظهور النتائج كان بعض من قوى التغيير في العالم العربي يراهن على نجاح هذا الاستحقاق في تتويج المرحلة الانتقالية الصعبة باستحقاق تشريعي ناجح، يفرز تشكيلة متوازنة، قادرة على بناء تحالف نيابي وحكومي يعبر بتونس السنوات الخمس القادمة، بنفس روح التوافق التي أنقذت المسار التونسي من السقوط في ما سقطت فيه مسارات الربيع الأخرى، وقد تمكّن التونسيون من إنجاح الاستحقاق من الناحية التنظيمية والأمنية، وحتى من جهة نِسب المشاركة المقبولة، لكن ظهور النتائج الأولية زرع مبكرا بعض المخاوف عند الطبقة السياسية، التي فوجئت بمشهد سياسي برلماني جديد، يعد بكثير من التعقيدات حين يبدأ رئيس الحكومة المكلف في البحث عن أغلبية، أو عن بناء ائتلاف وطني واسع، قادر على مواجهة تحديات الحكم الكثيرة والمعقدة، ناهيك عن تحقيق الإجماع الضروري لتمرير ما تحتاجه تونس من إصلاحات مؤلمة.
غير أن الاستحقاق يحمل مع ذلك بعض القرائن والمؤشرات الإيجابية، في مقدمتها: السرعة التي عاقب بها الناخب التونسي المتحرر أحزاب “الترويكا” الثلاث: النهضة، والتكتل، والمؤتمر، كما حرم كثيرا من وجوه نظام بن علي من العودة عبر الصناديق، وأعاد ما يسمى بالتيار الديمقراطي واليساري إلى حجمه الحقيقي، كتيار هامشي في الحياة السياسية التونسية قد يقول ما قاله سلفه في الجزائر: “لقد أخطأنا في الشعب“.
الجانب السلبي الذي قد يتوقف عنده الشباب التونسي وقد عزف بالجملة عن المشاركة في التصويت، يلخّصه نجاح حزب “نداء تونس” بقيادة الباجي قايد السبسي القادم من الدائرة المقربة من المغفور له بورقيبة، رجل معمر سوف يحتفل في 26 نوفمبر القادم بعيد ميلاده الـ 88، تدرج مع بورقيبة على رأس وزارتي الداخلية والدفاع والخارجية، وتولى في عهد بن علي رئاسة مجلس النواب، وترأس أول حكومة مؤقتة بعد رحيل “المخلوع” وقد تسند له بموجب الدستور الجديد رئاسة الحكومة القادمة وهو يحتفل بخريفه الـ 89 بعد ربيع تونسي قيل إن شباب “الفيس بوك” هو من فجّره.
المؤشر السلبي الآخر صنعته بلدة “البوعزيزي” وولايته التي سجلت أدنى نسبة مشاركة (48 في المائة) متبوعة بالولايات الداخلية المحرومة التي احتضنت أبرز فعاليات ربيع تونس، في إشارة إلى فشل أحزاب “الترويكا” في التصدي للدوافع الاجتماعية التي ركبها الحراك، كما لم تزد نسبة إقبال التونسيين في المهجر عن 25 في المائة.
ومع كل هذه المؤشرات التي صنفتها بعض النخب التونسية كمؤشرات سلبية، فإن كثيرا من القوى السياسية التونسية والعربية قد ثمّنت التجربة التونسية: الناجي الوحيد من مسارات الربيع العربي، كما سارع الرئيس الأمريكي إلى تهنئة التونسيين، وتثمين إنجازهم الذي وصفه بـ“الديمقراطي” وقال عن التونسيين “إنهم يواصلون إلهام الناس في منطقتهم وفي العالم كما فعلوا خلال ثورة 2011″.
بعيدا عن هذا الإطراء الذي قد يخدع التونسيين، أو التوقف من باب الشماتة عند بعض الجوانب السلبية، التي لا يخلو منها أي استحقاق حتى في الدول المستقرة، فإن النتائج التي أسفر عنها قد وضعت تونس أمام تعقيدات كثيرة، سوف تتكشف في الأيام والأسابيع القادمة حين يُعيّن الرئيس التونسي المؤقت: إما القايد السبسي أو شخصية يعينها حزب “نداء تونس” لتشكيل أغلبية برلمانية مؤهّلة للحكم، بعد أن أظهرت التقديرات الأولية تصدر “نداء تونس” بنسبة قاربت 36 في المائة، بفارق عن النهضة يزيد عن عشرة مقاعد، فيما توزعت باقي المقاعد بين عشرات القوائم الحزبية والمستقلة المشاركة في الاستحقاق.
ومن الواضح أن الخيارات التي فضلها المجلس التأسيسي عند تحرير الدستور الجديد، باعتماد النظام البرلماني، ثم اختيار نظام الاقتراع بالنسبية على القوائم، كان يعد بمثل هذه التعقيدات، وقد أضيف إليها نشوء ما يشبه الثنائية القطبية برأسين ينتميان من جهة الخيارات الاقتصادية لما قد يوصف بـ ”الليبرالية” عند “النهضة” كما عند “نداء تونس“، واستحالة بناء تحالف بينهما على خلفية مرجعيتهما السياسية، وحجم المناكفات والسجال السياسي بينهما خلال المرحلة الانتقالية.
ومع كل ما أبدته “النهضة” من مرونة محمودة، ومن استجابة لدعوات التوافق وهي تهيمن على المشهد السياسي، فإن فقدانها لحليفيها المهزومين: حزب رئيس الجمهورية، وحزب رئيس المجلس التأسيسي، سوف يقلل من فرصها في التأثير في التحالفات القادمة، ولم يبق لها في المشهد السياسي رصيدٌ تعوّل عليه لقيادة تحالف صالح للحكم أو للمعارضة.
ومن جهته سوف يكتشف حزب العجوز القايد السبسي أن حالة الشتات التي أفرزه الاستحقاق سوف تعقد عملية تشكيل أغلبية قابلة للاستمرارية، مع كتل نيابية كثيرة بوزن الذبابة، لن تتردد في إخضاعه للابتزاز والمساومة، إلا إذا اختار الذهاب إلى بناء حكومة وحدة وطنية لا تقصي حركة النهضة، وتستقطب بعض الأحزاب التي حصلت على نسب ما بين 3 و9 في المائة.
قبيل الاستحقاق كانت بعض دراسات سبر الآراء قد استشرفت مبكرا انحصار التنافس بين “النهضة” و“نداء تونس“، وهيأت قيادات الحزبين لتوقع فوز أحدهما بنسبة لا تسمح بالتفرّد بتشكيل الحكومة، وأنه سوف يتعين على الفائز البحث عن حلفاء لتشكيل أغلبية للحكم قابلة للحياة، قادرة على صناعة تسويات تتجاوز بالضرورة حدود برنامج الحزب الفائز، بالنظر إلى طبيعة وحجم التحديات التي تنتظر الحكومات القادمة على المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية، والتي هي فوق طاقة أغلبية برلمانية هشة، معرضة في أيّ لحظة لمعاول الهدم التي سوف تنطلق من القوى المستبعَدة أو المهزومة.
وقد تكون المرحلة القادمة أكثر إلحاحا على واجب تشكيل حكومة وفاق وطني واسع، تغري التونسيين بالالتفاف حول الحكومة، ودعم برنامج إنقاذ وطني يشتغل على ثلاثة مستويات رئيسة:
الأول: إعادة تشكيل وبناء مؤسسات الدولة وفق إحكام الدستور الجديد، بما يضمن على الأقل تثبيت مبدأ التداول السلمي الأمن والمنتظم على السلطة، ومراجعة قانون الأحزاب والتفكير بجدية في إعادة النظر في خيار الاقتراع النسبي، بما يمنح للنظام البرلماني غير المجرّب في البيئة العربية قدراً من الثبات، ويقلل من الأزمات الحكومية التي سوف ترهق تونس مع هذه الفسيفساء البرلمانية.
الثاني: التكفل السريع بإعادة هيكلة منظومة توزيع الثروة، وتطويق مظاهر الظلم الاجتماعي الأكثر استعجالا، في المناطق الأكثر حرمانا، خاصة في ولايات الشمال الغربي وبالضواحي المنكوبة بكبريات المدن، والبحث عن حلول سريعة ومبتكرة لتوفير الشغل، خاصة لفئة الشباب المتعلم الأكثر عرضة لإغراءات المجاميع المتطرفة.
الثالث: البحث عن نموذج تنموي بديل للنموذج الموروث عن عهد بورقيبة وبن علي، يُخرج تونس تدريجيا من اقتصاد مرتهن للسياحة، ولقطاع المقاولة من الباطن للشركات الأوروبية في الخدمات والإنتاج، وهي قطاعاتٌ مهددة في المستقبل المنظور بالاضطرابات الأمنية المحيطة بالمنطقة ولسنوات قادمة، مع وجود بؤرة اضطراب مستدامة في ليبيا.
وفوق هذا وذاك، لن تستفيد تونس الجديدة من أيّ محاولة لإقصاء حركة النهضة من أيّ حكومة قادمة لأكثر من سبب؛ فقد كشف هذا الاستحقاق أن حركة النهضة، حتى وهي تُعاقَب من قبل الناخب التونسي، تمتلك وعاء انتخابيا حقيقيا هو الذي أنقذها مما لحق بشريكها في “الترويكا“، ثم لأن نجاح المرحلة الانتقالية يدين بالكثير للمرونة التي أبدتها النهضة، سواء في كتابة الدستور، أو عند ظهور الحاجة إلى تشكيل حكومة كفاءات للإشراف على الاستحقاقات الانتخابية التشريعية والرئاسية، أو بالنظر إلى مساهمتها في إضفاء ما يشبه الغطاء الإسلامي على النشاط الأمني ضد التطرف والإرهاب، وأخيرا لأنها تقدّم سابقة في العالم العربي لحزب إسلامي يكون قد استبطن قوانين اللعبة الديمقراطية، واستحقاقات التداول على السلطة، سوف يساعد على تكذيب الصورة النمطية التي صنعها العلمانيون لمكوّنات الإسلام السياسي، كقوى تسخّر مسارات الديمقراطية للتسلل إلى السلطة قبل الانقلاب على الديمقراطية.