“تونس مسقط رأسي ومُرضعتي…ومصر حبّي الأول ومصدر دموعي” !
خرجت الروائية الجزائرية البارزة أحلام مستغانمي، عن صمتها، وكتبت للمرة الأولى عن تداعيات الثورة في تونس ومصر، قائلة إنها تمثل حلما جميلا طالما راودها منذ الطفولة، مقدمة جملة من الاعترافات الجميلة “والخطيرة” وغير المسبوقة.
-
تقول أحلام: “ما استطعت بعد الكتابة عن ثورة تونس. ما زلتُ تحت صاعقة المباغتة، أعيش نشوتي بلحظة نصر قضيتُ عمراً لبلوغها. ذلك أنّ تونس هي مسقط رأسي، ومرضعتي ومربيتي. والكتابة عن بلد أهداني حواسي الخمس، هو تورّط في الحنين والوفاء لدين أبديّ. وحين استوت شهيّتي للكتابة عن تونس، داهمتني ثورة مصر، وجرّدتني من أقلامي، وأبقتني مكبّلةأمام التلفزيون لأيام، عاجزة عن مواجهة ورقة، بينما الآخرون يواجهون الرصاص الحيّ في ساحة التحرير، ويغادرون أقبية التعذيب السيّئة السمعة جثثا مشوّهة”.
-
وتعترف الكاتبة الجزائرية المعروفة قائلة: “إنّها مصر حبّنا الأوّل الذي يستيقظ فينا، بتاريخه وأناشيده، وشعارته. حبّ له قامة عبد الناصر، وصوت عبد الحليم، وأشعار فؤاد نجم” ثم تضيف: “إنّها مصر التي كانت أوّل دموعي، وأوّل مظاهرة لي، وأنا أخرج بظفائري وحقيبتي المدرسيّة لأرفض هزيمتها سنة 1967.”
-
صاحبة ثلاثية “ذاكرة الجسد” و”فوضى الحواس” و”عابر سرير”، قالت إن: “مصر نفسها عادت في هذا العمر لتُبكيني، لأنّني خنتها لفرط ما خانت أحلامي بها، وتناسيتها كي لا أتذكر كم استباحت ذكرياتي، وأهانت عنفوان عروبتي. أنا التي وُلدت على يد قابلة ناصرية، وصوت عبد الناصر يردّد من مذياع في تونس “إرفع رأسك يا أخي العربي”.ـ
-
حاولت أن أعيش مرفوعة الرأس، وحين خيبة بعد أخرى أحنوا رأس أحلامي، قرّرت أن أثأر لعروبتي بالموت منتصبة القامة، كما مات عبد الناصر(…). كم شقيتُ بقوميّتي. على مدى عمري كانت عروبتي عقوبتي، وأحلامي لعنتي، فقد تمنّيتُ لأمّتي قدراً غير هذا. لذا ككتّاب جيلي، لم أكتب سوى عن أفول أحلامي، و”صهيل أحزاني” حسب تعبير نزار.
-
هذا الأخير الذي تتذكره مستغانمي، رفقة محمود درويش، قائلة: “نزار الذي مات بحرقته وفاجعة خيبته، وهو يتساءل “متى يعلنون موت العرب؟” كيف كان له أن يتوقّع ثورة على هذا القدر من الابهار والمباغتة؟ ومحمود درويش الذي كتب في آخر أيامه “أيها المستقبل: لا تسألنا: من أنتم؟ وماذا تريدون منّي؟ فنحن أيضا لا نعرف”.
-
كيف كان له أن يعرف ما لم يكن يتوقّعه أحد، ولا حتى وكالة الاستخبارات الأمريكيّة، بجيوش مخبريها وأقمارها التجسسيّة.
-
إنّها الثورة، التي باغتتنا وهزّتنا وأعادتنا إلى عنفوان فتوّتنا، ومراهقتنا الثورية الأولى. وختمت أحلام مستغانمي مقالها بالقول: “نحن أمّة بأكملها أمام التلفزيون نبكي ونهتف ونحلم بقصّة حبّنا الأبدية: العروبة التي لا مهر لها سوى الحرية”.