ثقافة الربيع العربي
حمل الربيع العربي ثقافة بعناصر جديدة تجد رواجا في أوساط مشجعي الربيع وأنصاره، وهي تقفز فوق كثير من مسلمات الثقافة في المرحلة السابقة.. ولأن الأحزاب الإسلامية هي المعني المباشر بالربيع العربي فهي التي تنشط لتكريس مفاهيم جديدة كمسلمات ثقافية في أوساط الشباب..
لم يعد غريبا على قادة الأحزاب الإسلامية في مرحلة الربيع العربي أن يلقي خطابا مطولا ولا يذكر كلمة عن فلسطين قضية الأمة وما لها من علاقة بقضايا الاقليم، هذا ما شهدناه في عواصم العرب كلها بل وفي الدول الأخرى يتشابه موقف الحركات السياسية التي تنتمي إيديولوجيا أو تنظيميا لتلك القوى.. مما يعني أن هناك تفاهمات أو تفهمات للموقف الغربي والأمريكي خصوصا من المسألة الفلسطينية.. في حين ينهمك هؤلاء في كيل المديح لتجاربهم في الربيع العربي تحت عنوان ضرورة تدارس التجارب، مغفلين أنها جميعا فاشلة إذا نظرنا إلى الأهداف التي كانت مرفوعة قبل الربيع العربي.
هنا تشتبك السياسة بالثقافة في أحد أبعادها المعرفية في عنوان المفاهيم والقيم.. ذلك أن الربيع العربي ما كان له أن ينجح في أي بلد إلا على أرضية التزامات بأمن اسرائيل أو على الأقل إيقاف حملات التحريض ضد الكيان الصهيوني، ولقد سعى البعض إلى واشنطن في أتون الربيع العربي لنيل الرضا، فكان شرط أمريكا الذي قبله لجميع الالتزام باتفاقيات كامبديفد وبالعمل السياسي السلمي.. وفي ظل ثقافة الربيع العربي ومسايرة لمعطياته كان سهلا أن يقف رئيس دولة صعده الربيع العربي إلى طرد السفير السوري علنا وأمام الجماهير وفورا، في حين يتمتع السفير الاسرائيلي بكامل الحماية والترحيب والاستقرار.. وفي بلد أخر يقف زعيم قدمه الربيع العربي ليتجنب ذكر فلسطين مطلقا وعندما يتحدث عن فلسطين ينزع عنها صفتا الحضارية الخاصة ويحيلها إلى أن تصبح قضية وطنية لشعب مغتصبة أرضه.. وفي بلد ليس ببعيد يفتتح أحدهم مؤتمرا لحزبه دونما ذكر كلمة عن فلسطين ويتسلح بالموقف الأجنبي في نقد بلده وحكومة بلده.
ثقافة الربيع العربي فارغة من فلسطين ومن التصدي للمشروع الغربي الأمريكي وكلها تستهدف الدولة لتفكيكها وتغييرها، كما أن ثقافة الربيع العربي تفتقد إلى الروح الوطنية والاحساس بالأمة إنما هو الاهتمام بالتنظيم وارتباطاته الدولية على حساب المكونات السياسية للبلد، مقدمة الثقة على الكفاءة والولاء الحزبي على الولاء للوطن أو الأمة.. وأصبحنا لأول مرة نسمع تبريرات خطيرة كمسألة الهدنة والتنسيق مع العدو الصهيوني وذلك من خلال منطق يلوي عنق الحقائق والواقع.
لغة بلا مضامين حضارية ومفردات فاقدة قوة الارتباط بحس الناس، وهذا مايجعل أجيال الربيع العربي معزولة عن هموم الناس بعد أن أعطاهم الناس ثقتهم في إحداث التغيير المطلوب.. وهكذا يتم تعميم ثقافة بمصطلحات ومفاهيم غريبة عن حس الأمة وروحه، لعل استبدال عناصر ثقافتنا في مفاهيمها وقيمها من أخطر نتائج الربيع العربي.. ومن هنا وجب التصدي للاختراق الذي يتسلل إلى أذهان الشباب..وإحياء عناصر ثقافتنا التي تحمي هويتنا ووجودنا المتميز.. تولانا الله برحمته.