ثقافة القبيلة التي تعطل عام الجماعة
قبل شهر ونصف من موعد الرئاسيات تعرفنا على أبرز المتنافسين، وعلى إعادة انتشار مكونات المشهد السياسي لنصرة مرشح جماعة “الرابعة” والتحاق المخلفة منهم بفسطاط السيد بن فليس. وللمرة الثانية منذ بداية التعددية، نساق إلى خيار بين وجهين لعملة واحدة، لأن السيد بن فليس لم يكن يوما في المعارضة حتى يرجى منه تغيير واصلاح النظام، حتى لو كتب له الفوز، أو يعول على أنصاره الجدد في صياغة برنامج حكم اصلاحي بديل، يغري المواطنين على تغيير الأحصنة.
ترشح السيد بن فليس لم يقلق السلطة والنظام في 2004 حتى يؤرقهما اليوم، أو يؤرقهما انضمام بعض مجاميع المعارضة لجوقته التي ليس لها لحن مبتكر ترقص عليه، سوى تلك الجمل المفككة من برنامج حكم، يعد بالتغيير وهو لا يملك أدواته، مثله مثل برنامج أصحاب الرابعة الرافض للتغيير. ولم تعد كيانات الإسلام السياسي طرفا في اللعبة، كما خرجت من اللعبة المجاميع المنتسبة لما كان يسمى بالقطب الديموقراطي.
حالة اليأس من ظهور قوى حاملة لمسار اصلاحي حقيقي، هي التي تنقل اليوم حبل الرجاء عند بعضهم من أهل الصالونات السياسية التقليدية، إلى ترقب الفرج من أهل “المقاهي الافتراضية” على الشبكة، والتعويل على شباب الفيس بوك لتحريك الشارع، وإمداد حملة “بركات” بالوقود، وهي لا تعلم أن النظام قد سبقها إلى هذا الفضاء، وعالجه كما عالج الفضاء التقليدي، بتعطيل المرور إلى الجيل الثالث، فيما كان شباب الربيع العربي يشتغل بأدوات الجيل الرابع.
وحده التعويل على المواطنين لفرض التغيير على النظام لم يجرب حتى الآن، لأن النخبة في المعارضة تحتقره كما يحتقره النظام، او لأنها ليست قادرة على صياغة خطاب وبرنامج حكم قد يغري المواطنين على دعمه، والتمكين له عبر صناديق الاقتراع كما حصل في تشريعيات 91 رغم أنف الإدارة، وأدوات التزوير التقليدية.
فمنذ قيام التعددية توفرت فرصتان لوضع البلد على سكة التغيير والإصلاح بأدوات التوافق، كانت الأولى مع خارطة الطريق التي سطرتها مجموعة “سانت إيجيديو” ببناء عقد وطني توافقي، والثانية لمسناها في رسالة السيد حمروش الأخيرة، قبل أن يسحبها تحت الضغط، أو ربما لأنه، مثل بقية النخب، لا يثق بقدرات المواطنين على فهم مسارات التغيير السلس والآمن بأدوات التوافق.
فمنذ 2008، وحتى قبل اندلاع ثورات الربيع العربي، وأنا أدعو النخب الحاكمة وفي المعارضة في العالم العربي، إلى البحث عن صيغة عصرية “لعام الجماعة” الذي جربه السلف في صدر الإسلام، وكانت له نسخ شبيهة مثمرة، جربتها شعوب معاصرة لنا، في الصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا، قادتها إلى تحريك قاطرة التنمية، بعد تعطيل أدوات التناحر العدمي بين النخب على السلطة، والبحث عن سبل التوافق التي سمحت لدولة مثل الصين، يقودها حزب شيوعي مستبد، إلى تحقيق أعلى معدلات النمو، وانتزاع حصة الصين من التقسيم العالمي للعمل والثروة.