ثقافة مصارعة التاريخ
هناك حكمة برازيلية تقول “يمتلك المستقبل كل من يحب ماضيه” تأملت كثيرا في هذه الحكمة فوجدتها في العموم صائبة مع الأوضاع التي نحياها في واقعنا اليوم، فمن يغلبه واقعه بكل تداعياته ويعجز عن مواكبته وفهم توازناته، تجده يهرب إلى الوراء ويسارع بجهده السياسي والفكري والثقافي إلى تصفية الحساب مع قضايا تاريخية أو يفتعل معارك تاريخية في الوقت الضائع ساعيا لإحداث توازن لنفسيته المضطربة والنرجسية التي تسكنه أو لكيانه المتهاوي، والحقيقة أنه يفر عن صناعة مستقبله ويدخل في دوامة التاريخ بكل تجاذباته وأسراره.
ولا يقدر أي شخص مهما كانت مكانته في المجتمع أن يعيد عقارب الساعة إلى الخلف أو يعيد تشكيل الوقائع التاريخية حسب هواه أو منزعه السياسي والعقائدي الفكري، ومن يزعجه التاريخ يهرب منه المستقبل، ويفركه الحاضر بإكراهاته وضغوطه.
وحبّ الماضي ليس معناه أن لا يُدرّس أو لا يتمّ تقييمه واستخلاص العبر والعظات منه، أما إنكاره والتنصل منه وعدم تحمّله كإرث جماعي، فيدل على عدم الجاهزية لصناعة المستقبل والتفاعل مع الحاضر بكل تشعّباته.
في الجزائر ظهرت مؤخراً ثقافة مصارعة التاريخ ومقارعته، والهدف منه تبرير جرائم فرنسا المستعمِرة، أو على الأقل إظهار الجيش الفرنسي المستعمر بصورة أنه لا يقلّ عدوانية عن المجاهدين الذين حرروا الجزائر بإبراز خلافاتهم والتصفيات الجسدية التي حدثت في مسار الثورة والإثخان فيها بالتضخيم والتهويل وعدم إبراز وتخريج جرائم فرنسا المستعمِرة وإظهار حقيقتها التاريخية للأجيال القادمة في صورة “لا أنسى ولا أحقد وأطالب بالاعتذار والتعويض”.
في الجزائر ظهرت مؤخراً ثقافة مصارعة التاريخ ومقارعته، والهدف منه تبرير جرائم فرنسا المستعمِرة، أو على الأقل إظهار الجيش الفرنسي المستعمر بصورة أنه لا يقلّ عدوانية عن المجاهدين الذين حرروا الجزائر بإبراز خلافاتهم والتصفيات الجسدية التي حدثت في مسار الثورة والإثخان فيها بالتضخيم والتهويل.
إن هذه الثقافة سبقتها ثقافة الحقد على الاستقلال والسيادة، والتشكيك في هوية الشعب، والمس بثوابته الوطنية، والعمل على تمزيق الشعور الوطني والانتماء إليه.
نحن في حاجة إلى مصالحة مع ثورتنا وصنّاعها وأبطالها وأمجادها ومع كل مكوّناتها مهما كانت مشاربُهم الفكرية والسياسية والعقيدية، ونحن في حاجة إلى محبّة أمجادنا وتراثنا عبر كل المراحل التاريخية التي عرفتها الجزائر.
وأوجه ندائي، وأنا جزائري وأفتخر بلا تعصب بأن كتب الله لوالدتي المجاهدة رحمها الله تعالى أن تضعني مولودا مع طلوع شمس الاستقلال، إلى كل من تبقى من قيادات الجهاد والثورة خاصة الذين يثيرون القضايا الخلافية في الجهاد الجزائري في وسائل الإعلام، فإنكم تزعجون الشهداء في قبورهم، وتشوّهون الثورة وعظمتها عند الأجيال، ووطنيتهم طريّة وناشئة، وتحققون قرة عين فرنسا بأن الثورة الجزائرية غير شريفة وغير نبيلة.. أصمتوا يرحمكم الله ولا تُفسدوا جهادكم في آخر حياتكم، واتركوا شيئا جميلا نذكركم به بعد رحيلكم.
أذكر موقف الرسول عليه الصلاة والسلام مع حاطب بن أبي بلتعة الذي أفشى سر الرسول عندما جهّز جيشه لفتح مكة وتم كشف الأمر وكان ذلك في عرف الحروب خيانة عظمى، وطلب الصحابة رضي الله عنهم قتله وضرب عنقه، وهناك من همّ بفعل ذلك، فرفض الرسول عليه السلام ذلك وتجاوز عنه وعن غلطته فقال لهم جميعا “وما يدريكم لعل الله غفر لأهل بدر” فكانت مشاركته في غزوة بدر شافعة له من هذه الخيانة.
تجاوزوا عن المجاهدين والشهداء لعل تحرير الجزائر وعودتها إلى حظيرة الإسلام والمسلمين وطرد المستعمر الصليبي شافعة لهم يرحمهم الله تعالى جميعا.