ثلاثة شروط لبناء دولة لا تزول بزوال البترول!
لعل أهم ما خرج به الشعب الجزائري من محنته التي دامت عشرية كاملة أنه لا مجال للتّفكير في ممارسة السياسة من خلال العنف قائماً سواء للوصول إلى السلطة أو لتغييرها أو للبقاء فيها أو للزعم ببناء دولة جديدة… كل خبرة الجزائريين اليوم تقول أن أي ترتيب جديد للأوضاع في المستقبل ينبغي أن يمر عبر عمل سياسي جاد يقوم على تجسير الهوة التي مافتئت تتسع بين النخبة والمجتمع، وعلى إعادة الاعتبار لقيم الكفاءة والأخلاق والعدل وهي الركائز الأساسية لبناء ما يُمكن أن نُسمِّيه بدولة لا تزول بزوال البترول.
لعلها ذي خلاصة الخبرة السياسية التي خرج بها الجزائريون بعد 10 سنوات من المحنة وأكثر من 15 سنة من الممارسة السياسية في مرحلة ما بعد المحنة: إننا لا يمكن الاستمرار في المستقبل إلا من خلال الاتفاق على جملة من الشروط التي بإمكانها وحدها أن تَضمَن بقاءنا، ثم استمرارنا وتقدمنا. وأول شرط منها هو أن اللجوء إلى العنف مهما كانت مبررات ذلك ليس هو السبيل للنهضة أو البناء. فلا التهديد بـ”داعش” أو “القاعدة” في بلاد المغرب، أو هذه الجماعة أو تلك مهما كانت التّسمية، ومهما كان العنوان يُجدي نفعا للزعم بالتأثير في الشأن الداخلي للبلاد. لقد أخذ الشعب الجزائري ما يكفي من مَصْل مضاد للعنف في تسعينيات القرن الماضي، بل ومنذ نهاية الثمانينيات ليُصبح مُحصَّنا ضد أي اختراق جديد مهما كانت الوسائل المستخدمة في هذا الاختراق، وأصبح اليوم في وضع ملائم للّجوء إلى أفضل الوسائل الحضارية للمنافسة السياسية من خلال البرامج والأفكار الجديدة والمشاريع المستقبلية التي يمكن أن يكون لها تأثيرٌ في مستقبل الدولة والمجتمع، أي أن مجال المنافسة اليوم أصبح محصورا في شروط أخرى غير تلك القائمة على العنف وكل ما ارتبط به من تهديد وتخويف وتطرّف، لأجل بناء دولة لا تزول بزوال الرجال والنساء بُناتها في مرحلة أولى، ثم لا تزول بزوال البترول في مرحلة ثانية… وهذه الشروط لعلها لا تزيد على ثلاثة: الكفاءة والأخلاق والعدل.
هي ذي الشروط التي أصبحت اليوم وحدها القادرة على أن تكون موضوع منافسة لبناء دولة لا تزول حقا بزوال الرجال أو البترول.. وهي وحدها القادرة على الفرز بين مَن يملك الرجال والنساء ذوي الكفاءة والأخلاق القادرين على مكاشفته بحقيقة الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيش بلا زيف ولا خداع، ومَن لا يملك ذلك. مَن لديه القدرة على تقديم حلول مباشرة ومتوسطة وبعيدة المدى لمختلف المشكلات التي يعيش، ومَن لا يملك ذلك. مَن يقدّم له استراتيجيات حقيقية في مختلف الميادين ومَن يبيع الوهم له ويحاول خداعه بكل الوسائل والسبل، مَن يملك القدرة على تقديم رؤية بديلة قابلة للتنفيذ، ومَن يقيم كل سياسته على تسيير شؤون الدولة يوما بيوم.. مَن باستطاعته أن يُقيم العدل في البلاد ومن لا يستطيع.
ربما هو ذا الفرق بين الأمس واليوم وغدا، مما يطرح رهانات ويفرض تحديات جديدة على جميع فئات الشعب الجزائري وعلى رأسها نخبة الرجال والنساء في كافة المستويات والقطاعات. بل ويضع هذه النخبة بالتحديد أمام فرصة تاريخية لن تتجدد لها بعد عقود من الزمن، فرصة استعادة المبادرة وتأكيد أنها بالفعل قادرة على التفاعل مع المجتمع وقيادته نحو آفاقٍ مستقبلية أوسع وأرحب.
لقد سئم الجزائريون العيش في جو التلاعب بتوفير هذه الشروط منذ عدة عقود، حيث نادرا ما اجتمعت لدى فرد أو مجموعة أفراد ممن حظوا بمواقع قيادية في البلاد. غالبا ما كانت السياسة عرجاء في هذا المستوى، وكثيرا ما افتقرت لأي منها، مما جعلنا غير قادرين على الإقلاع نحو بناء دولة غير مرتبطة بالريع البترولي وغير مهدَّدة بانخفاض أسعاره باستمرار.
لقد بات واضحا اليوم أن المجتمع الجزائري قد وصل إلى قناعة رئيسية تقول إنه ينبغي تسيير دواليب الدولة، وبالضرورة من خلال الكفاءة العلمية والسياسية والإدارية المرتبطة بالأخلاق والمحترِمة للقانون، أي ينبغي تسييرها وفق الشروط الثلاثة الآنفة الذكر: الكفاءة والأخلاق والعدل. لقد سئم الجزائريون العيش في جو التلاعب بتوفير هذه الشروط منذ عدة عقود، حيث نادرا ما اجتمعت لدى فرد أو مجموعة أفراد ممن حظوا بمواقع قيادية في البلاد. غالبا ما كانت السياسة عرجاء في هذا المستوى، وكثيرا ما افتقرت لأي منها، مما جعلنا غير قادرين على الإقلاع نحو بناء دولة غير مرتبطة بالريع البترولي وغير مهدَّدة بانخفاض أسعاره باستمرار. ولعل هذا هو الرهان المستقبلي الذي ينبغي أن نواجهه بعد أن تمكّنا من تحصين أنفسنا ضد تهديد العنف والإرهاب الذي كاد يعصف بنا وببلدنا ذات يوم. وليس أمامنا إلا التفكير في هذا إذا ما أردنا بالفعل الانتقال نحو المستقبل، والخروج من حالة وهْم التقدم التي عرفناها خلال مرحلة ارتفاع أسعار البترول.
لقد أصبحنا اليوم أمام الحقيقة وجها لوجه، وليس لنا بديلٌ آخر لمواجهتها إلا بما يلائمها من وسائل تتحكم فيها نوعية الرجال والنساء الذين نختار لإدارة شؤوننا العامة. إما أن نختار هؤلاء وفق شروط النهضة الجديدة التي تحمل عنوان مرحلة ما بعد البترول، أو نستمر في مخادعة أنفسنا بسياسة التمني بأن أسعار هذه الطاقة ستعاود الارتفاع ذات يوم.
لقد أصبحنا اليوم أمام الحقيقة وجها لوجه، وليس لنا بديلٌ آخر لمواجهتها إلا بما يلائمها من وسائل تتحكم فيها نوعية الرجال والنساء الذين نختار لإدارة شؤوننا العامة. إما أن نختار هؤلاء وفق شروط النهضة الجديدة التي تحمل عنوان مرحلة ما بعد البترول، أو نستمر في مخادعة أنفسنا بسياسة التمني بأن أسعار هذه الطاقة ستعاود الارتفاع ذات يوم. خياران يميزان بين وجود رؤية أو عدم وجودها، بين مشروعين للبناء، مشروع وهمي أثبتت تجربة نصف قرن من الزمن عدم جدواه قائم على بناء دولة لا تقوم إلا بمزيد من إنتاج البترول، أوصلتنا إلى الاحتكام إلى العنف وإلى مأساة وطنية قلَّما عرفها شعبٌ من الشعوب دامت أزيد من 10 سنوات، ومشروع حقيقي واقعي قادر على الاستمرار في الزمن ومستديم هو السبيل الأفضل نحو استبدال أسلوب التسيير من خلال الخوف بالعنف أو التخويف به، بأسلوب البناء في كنف السلم والأمن القائم على توفير شروط نهضة حقيقية غير مزيّفة لا مجال للحديث عنها خارج نطاق الكفاءة القادرة على مواجهة التحديات، والأخلاق المانعة لأي انحراف، والعدل الذي لا مؤسسات ولا حكم ولا دولة إلا به.