ثلاثة مقاييس في حركة سلك الولاة
أبانت الحركة الجزئية في سلك ولاة الجمهورية المعلنة أمس الأول أن عاملين أساسيين حسما الحركة التي شملت 15 ولاية منها ولايات كبرى ورجحت كفة ولاة على حساب ولاة آخرين، ويتعلق الأمر بالتوازنات الجهوية والعامل الأمني، وكذا الاستحقاق الرئاسي القادم طبعا، الذي يشكل عامل التوازنات الجهوية أحد أهم محاوره.
وحسب المتابعين فإن الحركة التي أجراها رئيس الجمهورية في سلك الولاة، بعد الاقتراحات التي قدمها وزير الدولة وزير الداخلية الطيب بلعيز، أظهرت أن مهندس الحركة راعى عاملا مهما في التوزنات الجهوية التي لم تعد بكفتين فقط، فبعد أن كان تحقيق التوازن يعتمد على جناحي البلاد شرقها وغربها، فرضت الأحداث الأخيرة التي شهدتها بعض الولايات الجنوبية والمطالب التي حملها الشباب المحتج، إقرار نصيب الجنوب ضمن هذه التوازنات، وأصبح من الضروري إقرار التوزان كذلك في توزيع المناصب والتمثيل بين شمال البلاد وجنوبها.
وبالعودة إلى التعيين لاستخلاف المناصب الشاغرة للولاة الوزراء، والاستعانة بخدمات كل من والي بشار وأدرار ووادي سوف، لتسيير شؤون ولايات كبرى بحجم ولايات وهران، تلمسان وعنابة، تكون السلطة قد وجهت رسالة واضحة المعالم إلى سكان الجنوب، مفادها أن الولايات الجنوبية لم تكن يوما خارج حساباتها، بدليل أن مسيري هذه الولايات أهل لتسيير الولايات الكبرى، بغض النظر عن الانتماء الجهوي لهؤلاء القادمين من الجهة الشرقية للبلاد، مثلما عليه الشأن بالنسبة لوالي ولاية وهران الجديد عبد الغني زعلان. وتقرأ التحويلات الجديدة، خاصة في شقها المتعلق بتعيين والي ولاية سطيف عبد القادر زوخ المنتمي جهويا الى الجنوب وتحديدا منطقة تڤرت، كوال للعاصمة خلفا لمحمد كبير عدو المستدعى لمهام أخرى، أن السلطة تعمدت إعطاء جرعة مهدئات ومسكنات جديدة لآلام سكان الجنوب، على اعتبار أن أحد المطالب التي رفعها هؤلاء تخصيص كوطة من المناصب السامية في الدولة لأبناء المنطقة الجنوبية، ورغم أن السلطة أجابت في حينها وقدمت حصيلة مفادها أن جزائر الاستقلال أحصت تقريبا 20 وزيرا من الولايات الجنوبية، إلا أن رسائلها ضمن هذا التعديل كانت واضحة، ذلك لأن الحركة الجزئية المعلنة أمس الأول جاءت تكميلية للحركة التي شملت صفة حصرية الولايات الجنوبية الربيع الماضي.
وعند الحديث عن معايير التعيين في العاصمة فيفترض برأي الملاحظين أن الحديث يجب أن يكون ذا علاقة فقط بمؤهلات الشخصية المعينة وكفاءتها في تسيير مشاكل المدينة وهيكلتها وتهيئتها، وعند هذا العامل السؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة لوضعية عبد القادر زوخ يخص مدى أهليته وقدرته على التحكم في مشاريع بحجم تهيئة واجهة العاصمة الذي يعتبر مشروعا عملاقا، إلى جانب مشروع المدينة الجديدة سيدي عبد الله وباقي المشاريع قيد الدراسة الخاصة بالعاصمة.
كما يبدو جليا عامل التوزان الجهوي بين الشمال والجنوب في ترقية الأمين العام لولاية إليزي كوال منتدب للدائرة الإدارية بالشراڤة.
وبعيدا عن استرضاء السلطة للجنوب الجزائري، يعتبر الملاحظون أن عامل الأمن على الحدود شكل أحد المعايير التي حكمت تعيين الولاة بالولايات الحدودية، فمثلا تعيين والي أدرار كوال لولاية تلمسان خلفا لعبد الوهاب نوري لم يكن اعتباطيا، وذلك بالعودة لما يشكله الشريط الحدودي لبرج باجي مختار من أهمية لأمن حدود الجزائر، ويبدو أن عامل التجربة التي اكتسبها والي هذه الولاية أهله لتسيير ولاية تلمسان التي تعتبر ولاية حدودية مفتوحة على كافة الاحتمالات في ظل استفحال ظاهرة التهريب، كما يبدو جليا مراعاة العامل الأمني في التغيير الذي شهدته ولاية الطارف، وتحويل واليها.
وبعيدا عن التوازنات الجهوية بين شمال البلاد وجنوبها، راعت الحركة المعلنة في سلك الولاة كذلك التوازن بين شرق البلاد وغربها، وبعد أن عزز التعديل الحكومي الأخير تمثيل الجهة الشرقية وتحديدا ولاية باتنة ضمن الجهاز التنفيذي، جاءت الحركة في سلك الولاة لتقوي تمثيل الجهة الشرقية ضمن سلك الولاة، وإن كان ينظر الملاحظون إلى معيار التوازن بين الشمال والجنوب كصمام أمان للوضع الأمني، فيعتقد هؤلاء أن مراعاة التوازن بين الشرق والغرب عامل حاسم في أي موعد رئاسي.