-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جبهاتٌ أربع لا يُعفى من الوقوف عليها مسلم

سلطان بركاني
  • 107
  • 0
جبهاتٌ أربع لا يُعفى من الوقوف عليها مسلم

المفترض فينا نحن المسلمين أن نتحرّك تحت راية ديننا، لنصلح العالم، ونوقف ما فيه من البغي والمظالم، ونخرج العباد من عبادة العباد  إلى عبادة ربّ العباد، ومن جور الأحلاف والهيئات إلى عدل خاتمة الرسالات. لكنّنا –إلا قليلا- أبينا إلاّ الإخلاد إلى الأرض والرضا بالدّون والهُون، والركونَ إلى المتع الفانية وشهوات البطون… وفوق هذا وذاك؛ عندما أُعلنت علينا الحروب الظّالمة لإطفاء ما بقي من جذوة الولاء للدّين في نفوسنا الهائمة، صار كثير منّا كأنّ الأمر لا يعنيهم، أو كأنّ الحرب لا تخصّهم!

حينما حُورب المرابطون في غزّة، قال من قال منّا: هذه معركة “الإخوان المسلمين” وليست معركتنا! وعندما أُعلنت الحرب على إيران، قال من هم أكثر منهم عددا: هذه معركة “الشيعة” ولسنا معنيين بها! وهكذا يظلّ كثير من المسلمين يجدون من الأسباب أوهاها ليبرّروا قعودهم عن نصرة قضاياهم ويُغطّوا على انشغالهم بدنياهم عن دينهم وأمّتهم، ويتّجهوا إلى فتنة لا تصيب الذين ظلموا منهم خاصّة؛ فالثّوب الذي تحترق أطرافه هو ثوبنا جميعا، ورقابنا شحذت لها السكاكين يوم أكل الثّور الأبيض!

يظنّ بعض المسلمين –من علمانيين ومداخلة- أنّ هذه الحروب التي تعلَن على الأمّة المسلمة، هي حروب ضدّ الغلاة والمتحزّبين والمبتدعة والمتعجّلين! وهي مبرّرة ما دام كثير من “ولاة الأمر” يؤيّدونها! ويجزم بعضهم بأنّها تندرج فيما بشّر به النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- حينما قال: “ستُصالِحونَ الرُّومَ صلحًا آمِنًا؛ فتَغْزونَ أنتم وهُمْ عدُوًّا مِن ورائِكم….”! مع أنّ الحديث لا علاقة له بواقع الأمّة في هذه السنوات الكالحة؛ فهي –الآن- بالنّسبة للغرب كالذّنَب التابع وليست نِدا له تصالحه، والحديث يتحدّث عن زمن آخر لم يحن بعد، تكون للأمّة فيه راية وكلمة وموطئ قدم.

وبإزاء هؤلاء المسلمين الذين يرتكبون أشنع جريمة في حقّ الدّين حينما يسوقون بعض نصوصه لتبرير خورهم وخذلانهم، قطاع كبير من المسلمين يتابعون الحروب الظّالمة من دون أن يكلّف الواحد منهم سؤال نفسه عمّا يتوجّب عليه عمله وتقديمه حتّى تبرأ ذمّته ولا يكتب عند الله من الخاذلين؛ فهو لم يغيّر شيئا في حاله ولا في بيته ولا في واقعه، وربّما لم يزد شيئا في همّه وبرنامجه ولا في دعواته التي يرفعها إلى السّماء!

لقد أصبح لزاما على كلّ مسلم أن يدرك أنّ المرحلة حرجة والمواقف فيها محسوبة، والسلبية موقف يصنّف في مثل هذه الأيام “كبيرة” من كبائر الذّنوب. وعليه أن يفتّش في حاله وواقعه عن الجبهات التي يتوجّب عليه أن يقف فيها وعن الثّغور التي يتعيّن عليه أن يرابط فيها… ونحن إذا نظرنا في واقعنا وواقع الأمّة فإنّنا سنرى جبهات وثغورا كثيرة، بينها أربع لا يُعفى مسلم من الوقوف عليها أيا كان مكانه ووضعه:

الجبهة الأولى: أن يدرك المسلم أنّ العلمانية المسلّطة على المسلمين في هذا الزّمان هي المرض العضال والدّاء الدويّ، بل هي القيد الذي قيّد الأمّة وأضجعها لسكّين الجزّار الغربيّ، لأنّها –أي العلمانية- تسعى حثيثا في إبعاد الدّين عن واقع المسلمين وعزله عن معاركهم، وتضغط بما أوتيت من وسائل ضغط وتأثير لتشغل المسلمين بعضهم ببعض عن مواجهة أعدائهم.

الجبهة الثانية: أن يُجاهد المسلم على إخراج حُب الدنيا وكراهية الموت من قلبه… وعشق الدّنيا مع تمنّي الخلود فيها، قد حذّر منهما النبيّ المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى –صلّى الله عليه وسلّم-، وبيّن أنّهما السّبب الأهمّ في هوان الأمّة في آخر الزّمان، حين قال: “يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها”، قيل: يا رسولَ اللهِ! فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قال: “لا، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ في قلوبِكم، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ من قلوبِ عَدُوِّكم؛ لِحُبِّكُمُ الدنيا وكَرَاهِيَتِكُم الموتَ”… ومنطوقُ هذا الحديث هو الواقع الذي نعيشه في هذا الزّمان بكلّ تفاصيله؛ فنحن نريد أن نعيش، ونتواصى بهذه الغاية صباح مساء: “عش حياتك”؛ نريد أن نأكل اللّذيذ ونلبس الجديد ونركب المريح… المستقبل الذي نعلّم أبناءنا أن يقدّسوه هو المستقبل الدنيويّ؛ كيف يدرسون وينجحون ليجدوا وظائف تُكسبهم مرتباتٍ مجزلة، ويبنوا بيوتا ويشتروا سيارات ويتزوّجوا وينجبوا، ويعلّموا أبناءهم كيف يبنون مستقبلا مثل المستقبل الذي بنوه…. وهكذا!

إنّه ما دام الدّين لا مكان له في آمالنا ومخطّطات مستقبلنا ومستقبل أبنائنا، وما دمنا نسمع الخطب والدروس ثم نرجع إلى بيوتنا وأسواقنا لنتقاتل على حظوظ الدنيا؛ فلن نَتقدم خطوة، ولن نحمل للدّين همّا ولن ننصر للأمّة قضية، وسنظل لقمة سائغة لأعدائنا! وربّما نكون صيدا سهلا للدجّال إن أدركنا زمانه؛ كيف لا وهو الذي يحمل إلينا القناطير والأطنان من هذا المستقبل الذي يشغل ليلنا ونهارنا!

الجبهة الثالثة: إن لم يُـمكنِ المسلمَ أن يكون جزءًا من معركة الأمّة، فعلى الأقلّ يجب عليه أن يدعم المرابطين وكل من يواجه نظام الظلم العالميّ الممهِّد للدجّال؛ بماله وكلماته ودعواته، ودفاعه عن الصّامدين في وجه البغي، في البيت والشارع وفي الواقع والمواقع.

الجبهة الرّابعة: أن يُعدّ المسلم نفسه وبيته وأبناءه للمعركة الفاصلة… أبناؤنا هم أمل الأمّة بعد الله. ومن خيانة الأمانة أن نربّيهم تربية الكتاكيت والصيصان والقطط والخرفان، في زمن يتداعى فيه العالم لمعركة هرمجدون… حرام أن نترك أبناءنا فريسة سهلة لإعلام موجّه يريد لهم أن يكونوا أصفارا على الشّمال، ويريد لهم أن يخوضوا معارك البارصا والريال، ومعارك الفتن الداخلية بين دول المسلمين التي تزيد الأمّة وهنا على وهن وخبالا على خبال.

لقد أصبح لزاما علينا أن نعود بأبنائنا إلى سير أسلافهم، ونقف نحن وأبناؤنا مع قصص سلفنا وكيف ربّوا أبناءهم على الرّجولة والهمم العالية، وكيف كانوا يُقحمونهم في معارك الأمّة منذ نعومة أظفارهم.

واجب علينا أن نربّي أبناءنا على مواقف أبناء الصحابة الذين كان الواحد منهم -وهو في الخامسة عشر من عمره- يقف على أطراف أصابع قدميه حتى يبدو رجلا ويسمح له النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- بالمشاركة في الغزوات، وقد حصل أنّ النبيّ –عليه الصلاة والسلام- كان يستعرض غلمان الأنصار، في غزوة أحد، فردّ جماعةً من الغلمان لصغرهم، بينهم سمرة بن جندب ورافع بن خديج، وهما ابنا خمس عشرة سنة، فشفع أبو رافع لابنه وقال: يا رسول الله؛ إنّ ابني رافعا رام (أي يحسن رمي السّهام)، فأجازه النبيّ -صلّى الله عليه وسلم- وهنا تقدّم سمرة بن جندب وقال للنبيّ –عليه الصّلاة والسّلام-: يا رسول الله! لقد أجزت رافعا ورددتني، ولو صارعتُه لصرعته، فقال النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “صارعه”، فتصارعا، فصرع سمرة رافعا، فأجازه النبيّ عليه السّلام.

واجب علينا في هذا الزّمان أن نربّي أبناءنا على موقف معاذ بن عمرو ومعاذ بن عفراء؛ الغلامين الشابّين اللذين ما كان يشغل بالهما يوم بدر إلا أن ينتقما للنبيّ –عليه الصلاة والسلام- من أبي جهل الذي كان يسبّ حبيبهما ويؤذيه… تقدّما يومها من عبد الرّحمن بن عوف؛ فسأله أحدهما: يا عم، أتعرف أبا جهل؟ قال: نعم، وما حاجتك؟ قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله –صلـى الله عليه وسلم-، والذي نفسي بيده إن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. فعجب ابن عوف لأمره، فقال له الغلام الآخر مثلها، يقول عبد الرحمن بن عوف: فما لبثتُ أن رأيت أبا جهل يجول في الناس، فقلت للغلامين: ألا تريان؟ هذا صاحبكما. فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي فأخبراه، فقال: “أيكما قتله؟” فقال كل منهما: أنا قتلته. فقال: “هل مسحتما سيفيكما؟” قالا: لا. فنظر في السيفين، فقال: “كلاكما قتله”.

واجب على الأمّهات أن يَعُدن إلى سيرة صفية بنت عبد المطّلب لينظرن كيف كانت تربّي ابنها الزبير بن العوام، أسدَ الله ورسوله. الزبير الذي كان في بداية إسلامه شابا في الخامسة عشر من عمره، فسمع يوما بمكّة أنّ النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- قُتل، فخرج من البيت مجرّدا سيفه، حتى لقيه رسول الله –صلـى الله عليه وسلم- فقال: ما شأنك يا زبير؟ قال: سمعت أنك قتلت، قال: “فما كنت صانعا؟” قال: أردت والله أن أستعرض أهل مكة. فدعا له النبي –صلـى الله عليه وسلم- ولسيفه… الزبير بن العوام، هذا الأسد الهصور، تربّى في حجر أمّه اللبؤة صفيةِ بنتِ عبد المطّلب بعد وفاة أبيه العوام، تربية الليوث، فكانت تضربه وهو صغير وتغلظ عليه، فعاتبها بعض أعمامه وقالوا: ما هكذا يُضرب الولد، إنك تضربينه ضرب مبغضة، فردّت صفية قائلة: “من قال إني أبغضه فقد كذب، وإنما أضربه لكي يَلَب، ويهزم الجيش ويأتي بالسلب، ولا يكنْ لمالِه خبّا مخب، يأكل ما في البيت من تمر وحب”… ثمّ إنّ الزبير هذا، هو من تربّى على يديه الليث الغضنفر عبد الله بن الزبير الفتى الذي فاق الرجال في الشجاعة والإقدام، وكان من مواقفه أنّه كان يوما -وهو غلام- يلعب مع غلمان المدينة، فمرّ بهم أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، ففرّ الصبيان كلّهم إلا عبدُ الله بن الزبير مكث واقفا في مكانه؛ فقال له عمر: ما لك لم تفرّ مع أصحابك؟ فقال: “يا أمير المؤمنين، لم أجرم فأخافك، ولم يكن بالطريق ضيق فأوسع لك”، فأعجب عمر بموقفه وكلامه.

واجب علينا أن نربّي أبناءنا على سيرة خالد بن الوليد –رضـي الله عنه- سيفِ الله المسلول الذي ما خاض معركة إلا كان له الظّفر بها، ومع ذلك قال في آخر أيام حياته: “لقد شهدت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي موضع شبرٍ إلا وفيه ضربةٌ بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وها أنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!