جثمانُ السنوار وأجساد ملياري مسلم
أبانت سنتا حرب الإبادة والأحقاد والإرهاب، التي مورست على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، أن الكيان لا يرى لأبناء الأرض حياة ولا حتى موتا؛ فخلال أشهر التقتيل والتهجير والتجويع التي لم تتوقف، حتى بعد وقف إطلاق النار، كانت آلة الحرب تستهدف المقابر حيث لا يوجد فيها غير الموتى، والمتاحف التي ترقد بين جدرانها حضارة فلسطينية عمرها عصور من الزمن، والمساجد التي تتحرَّك بين سجود وخشوع.
وما حدث للجثامين المُسَلَّمة للفلسطينيين ضمن تبادل الأسرى الأحياء والمتوفين، من تنكيل وتقطيع وسرقة أعضاء، هو الحكاية كلها لكيان لا يريد للآخر أن يكون إلى جانبه، سواء كان حيًّا لا يطلب أكثر من قطرة ماء وشهقة أوكسجين ولقمة رغيف، أم ميتا مدفونا في التراب.
الاقتراح الذي قدّمته وزيرة النقل والمواصلات الصهيونية ميري ريغيف، حول كيفية التعامل مع جثمان الشهيد يحيى السنوار، بحرقها، هو جزءٌ من التفكير الصهيوني، حتى لا يكون لمهندسي غزوة السابع من أكتوبر، مرقدٌ يُذكّر الناسين من أمة الإسلام، بأن الذي قيل إنه “جيشٌ لا يقهر”، هو في الحقيقة أوهن من بيت العنكبوت، ويثير الحاقدين من بني صهيون الذين انكشف جبنُهم وبربريتهم.
وحكاية اليهود مع الجثامين والقبور، هي حكاية لا يمكن أن نجدها مع أي أمة في الدنيا والتاريخ، وقد تكون حال الكيانات التي لا تمتلك حضارة، مع من وهبهم الله التاريخ والجغرافيا، كما كانت حال أمريكا ذات حروب شنّتها أو شاركت فيها في بلاد الحضارات من العراق إلى سوريا.
في سنة 1948 عندما انتصر الجيش “الإسرائيلي” على الجيوش العربية في النكبة الكبرى واحتلّ فلسطين، توجَّه بن غوريون إلى بيت المقدس واقترب من منبر صلاح الدين الأيوبي وصاح: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”، مكررا صيحة الجنرال الفرنسي هنري جوزيف جيرو، عند دخول فرنسا مدينة دمشق سنة 1920 حيث لمس قبر الأيوبي بقدمه وقال: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”.
وفي مجازر دير ياسين في أفريل 1948، كانت غولدا مايير توصي الجنود بألا يذبحوا الناس ويتركوهم، ليُدفنوا وتصرّ ويصرّ معها موشي ديان، على أن يُنكّل بالجثامين وأن ترمى في البحر أو تحرق، حتى لا تمتزج الأرض الفلسطينية بدماء وجثامين أهلها.
في سورة يونس جاء ذكر جثمان فرعون، في قوله تعالى: “فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً، وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ”.
وإلى حد الآن لم يتوصل العلم لمعرفة ما نوع التحنيط، إن كان هناك تحنيط فعلا، الذي طال فرعون زمن موسى عليه السلام، والذي كانت جثته عبرة لمن يعتبر.
لا أحد من الكنيست أو من أعضاء الحكومة الصهيونية رفض اقتراح وزيرة النقل والمواصلات، بشأن جثمان الشهيد السنوار، وردّوا عليها بالصمت الذي يعني في العُرف اليهودي القبول والتبريك، بينما لم يقل أي من المسلمين كلمة الحق التي ورثوها عن نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام: “إكرامُ الميت دفنُه”.
صهاينة عصر ما بعد حرب الإبادة في غزة، لا يريدون جثمان مسلم أن يُدسَّ في التراب، فكيف لهم أن يرضوا ببقاء ملياري مسلم بقلوب مؤمنة وألسنة موحّدة ومكبِّرة، وما قد يحدث لجثمان الشهيد يحيى السنوار، سيطال ملياري مسلم بأجسادهم أو بجثامينهم عندما يُذبحون، كما ذبح الثور الأبيض، في اليوم الأسود وهم صامتون… عفوا بعضهم يهللون.