جرأة.. أم “صحّانة وجه”!
عندما يفوق عدد المرشحين لقيادة التشريع في الجزائر، عبر المجلس الشعبي الوطني، خمسة آلاف رجل وامرأة من أصحاب المستويات التعليمية الابتدائية أو التي هي على حافة الأميّة، ولا ترى التشكيلات السياسية التي ضخّت هذه الأسماء أو “الأشياء” أو ربما “اللاشيء”، أي حرج، وهي تقديم مشاريع حلول “جاهلة”، لمشاكل معقدة، فإننا نكون قد كتبنا شهادة وفاة، أي أمل، في بلوغ برّ الأمان، وبصمنا وختمنا عليها.
لقد تعوّدنا أن نقصف السلطة، ونعتبرها السبب في كل المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيها البلاد، وهي بالتأكيد تتحمّل نسبة مسؤولية كبيرة في الوضع المتردّي الذي نعيشه، ولكننا بهذا الأداء أظهرنا بأننا مساهمون فاعلون في هذا الانهيار، فنحن نقدّم الداء بدل الدواء، ونشارك بقوة في مزيد من التعفن، ولا يمكن بعد كل هذا أن نلوم السلطة، التي تورطت في تهجير مالا يقل عن ثلاثين ألف “دماغ” إلى الخارج خلال كل خمس سنوات، وهذه التشكيلات السياسية التي تسمي نفسها بالمعارضة وبالبديل، تسير على نفس الخطوات الإقصائية، وتقدم في ربيع 2017 أكثر من خمسة آلاف ومائتي رجل وامرأة لم يبلغوا المستوى الثانوي، كما أكد ذلك السيد وزير الداخلية نور الدين بدوي، ضمن مصير غامض، تجرّأ فيه طالب الترشيح عندما قدّم ملفه، وتجرّأ فيه الحزب بقبوله، وتجرّأت فيها السلطة عندما غفلت عن وضع قوانين ترفع فيها من مستوى المرشحين، الذين من المفروض أنهم هم من يباشروا في التشريع للجزائريين، في السنوات الخمس العجاف القادمة، حيث لا سنبلات خضر، بل جميعها يابسات. وعندما تمتزج الجرأة، ولا نجد في القوم رجلا رشيدا، يتحوّل الأمر إلى “صحّانة وجه” حسب التعبير الجزائري المتذمر من الواقع المرّ.
مشكلة الجزائر لا تكمن في الأزمة، ولا في السلطة التي جرّت البلاد إلى مثل هذه الممارسات، من خلال تغييب أهل الحل، ومعالجة المرض بإخفاء الجرح أو بالتخدير فقط، وإنما في هؤلاء الذين يرتدون المآزر “البيضاء” ويزعمون امتلاكهم قلوبا “بيضاء”، ولا يقدمون أي حلّ، بل يستهلكون المال والوقت، ويجرّون البلاد إلى شهر ماي، من أجل المشاركة في “مسرحية” جديدة، اتضح أن أكثر من خمسة آلاف ممثل فيها لا يتقنون قراءة السيناريو، فما بالك المشاركة في كتابته، وتمثيله على مدار خمس سنوات كاملة.
وزير الداخلية نور الدين بدوي، تفضل بهذه الأرقام المرعبة، التي لخصت الأداء السياسي، وهو ما ظهر للعيان فقط، وبالتأكيد فإن الباطن يقدّم نماذج أخرى أكثر إيلاما، عندما نعلم أن رؤوس القوائم تُشترى كما تشترى “الخردوات” والسيارات القديمة، في المزاد العلني، وأن للعروشية يدا في تحديد الذين يقودون البلاد، مهما كان ماضيهم وحاضرهم العلمي والأخلاقي والسياسي، من أجل تقديم طبق انتخابي للمواطن في شهر ماي، حيث سيكون أمامه خياران لا حلو فيهما، فإما ألا يختار، وذاك لن يغيّر في الوضع شيئا، أو يختار من هم أقل منه مستوى ثقافيا وسياسيا..وأخلاقيا!