جزائر الحياة والموت
في هذا العالم نوعان من الدول، غنية تنعم شعوبها بما وهبها الله من خيرات تحت الأرض وفوقها، ودول معدمة، ليس أمام شعوبها سوى الرضا بقضاء الله وقدره
-
وعدم اليأس في الخروج من عنق الزجاجة، إن لم يكن بأثقل الثمار فبأخف الأضرار. ولن تجد بلدا فوق هذه الأرض من الفئة الأولى يعيش مواطنوه معاناة الفئة الثانية.. ربما نجحت الجزائر في أن تصنع التميز مرة أخرى.
-
فعلا أمكن للجزائر إنتاج التميز، فعلى أرضها كل ما يستحق الحياة، غير أن شبابها يسارعون إلى الموت، بالانتحار حينا وبتقديم أنفسهم قرابين لأسماك البحر أحيانا.. اليأس من صعوبة الحياة مقرف، لكن الوعي بإمكانية أن تكون نفس الحياة سهلة، ثم لا تكون، قاتل.
-
من يستطيع مثلا أن يقاوم ثورته على تدني الأجور وهو يعيش كل يوم المزيد من التورم في أسعار البترول والغاز اللذان وهبنا الله منهما الكثير. ومن هذا الحكيم الذي يحسن ضبط نفسه، عندما لا يجد مكانا نظيفا ومحترما يقضي فيه بعض ساعات وقته مجتمعا بالعائلة أو الخلان، وهو يقرأ أو يسمع أو يشاهد كل يوم بلدا تمتد فيه شواطئ المتوسط لأكثر من 1200 كيلومترا، وتوصف صحراءه بأنها من أجمل فيافي العالم، وجباله بكونها من أغنى جبال المعمورة.
-
ما الذي ننتظره من جزائري “زوالي” يقرأ بأن خيرات بلاده من الفواكه والخضر واللحوم، وهي تحت الاحتلال، كانت تملأ أسواق أوروبا وقدورها وبطون أهلها، وهو المضطر في كل مرة إلى ممارسة الإرهاب على جيبه حتى يتمكن من شراء حبات من البطاطا المستوردة.. كيف له أن يسيطر على السائل الأحمر في عروقه وعلى نسبة السكر في دمه وهو يقرأ بأن السردين الذي يشتريه بـ 200 دج، مرة أو مرتين في السنة، يموت في بحره من الشيخوخة.
-
الجزائر تصنع بعض تميزها، لأنها تجمع بين نقيضين هما في الأحوال العادية كالزيت والماء.. الجزائر أرض كل ما فيها يستحق الحياة، وكل ما فيها أيضا يدفع إلى التفكير في الموت، مع فارق أن الله وهبها الأولى، بينما يحاول بعض “الهفافين”، حسب وصف الطاهر وطار، تكريس الثانية.