جزائريون يسردون حياتهم اليومية بعدسات هواتفهم بحثا عن التميز !
شهدت مهنة التصوير الفوتوغرافي تغيرات عبر الأجيال، فقبل عقود من الزمن كانت استديوهات التصوير لها مكانة خاصة لدى العائلات الجزائرية في توثيق لحظات مميزة واستثنائية من حياتهم، لتتحول مع مرور السنوات لهواية روتينية تجذب الجزائريين، من خلال التقاط لحظات شخصية أو عائلية، أو رصد مشاهد يومية لمحيطهم، وهي الهواية التي ازدادت انتشارا مع تطور الهواتف الذكية.
يتوجه الكثير من الشباب بكاميرات وعدسات هواتفهم نحو الشوارع والأسواق الشعبية، والمعالم التراثية، والطبيعة الساحرة التي تزخر بها الجزائر، سواء خلال جولاتهم وزيارتهم السياحية بهدف، توثيق ونقل جوانب مختلفة من الحياة التي قد لا يتمكن آخرون من رؤيتها، هناك من يتخصص في تصوير مشاهد تعبر عن الموروث الثقافي، مثل الأزياء التقليدية والاحتفالات الشعبية، فيما يتجه آخرون نحو تصوير الحياة البسيطة، وتحولت لدى البعض إلى محتوى رقمي وروتين يومي يتابعه الآلاف من المعجبين.
ومن جهته، يؤكد المصور والمؤثر خالد حمزي، لـ”الشروق” أن طريق الإبداع الفوتوغرافي ليس سهلا، حيث يواجه الشباب صعوبات مختلفة، تبدأ من قلة الدعم المادي، وصعوبة الحصول على معدات تصوير متطورة، وصولا إلى غياب المساحات المخصصة للمعارض التي تعرض أعمالهم، رغم ذلك، فإن إصرارهم على تجاوز هذه العقبات يعكس إيمانهم بقدرة الصورة على سرد القصص وتوثيق الذكريات.
التصوير نافذة لاكتشاف جمال الجزائر وتوثيق تراثها المخفي
وكشف محدثنا، وهو صاحب جائزة أحسن فيديو ترويجي للجزائر 2023، أن الشباب يمكنهم المساهمة في نشر وعي جديد بالمجتمع والتعريف بثقافاته المتنوعة من خلال التصوير، مضيفا أن تلك الأعمال الفوتوغرافية، ليست مجرد صور، بل رسائل بصرية تعكس التنوع الثقافي والتراثي، وتعيد تعريف مفهوم الهوية في إطار معاصر، وبهذا، ينجحون في خلق جسر تواصلي بين الأجيال وبين مختلف مناطق الجزائر، مضيفا أن التصوير الفوتوغرافي أكثر من مجرد هواية، فهو أداة تعبير قوية على حد تعبيره.
وكشف خالد حمزي، عن مشروعه الجديد الذي يهدف إلى استكشاف الجزائر من شمالها إلى جنوبها، وذلك من خلال برنامج تصوير يجوب كل ربوع الوطن، موجها ندائه إلى متابعيه بصفحته عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تقارب نصف مليون مشترك، يطلب منهم اقتراح أماكن جميلة في ولاياتهم أو مناطق سكناهم، مثل الحمامات الطبيعية في الهواء الطلق، القرى القديمة سواء المسكونة أو المهجورة، المغارات والأنفاق والمناجم، والمعالم التاريخية التي تعكس عمق التراث الجزائري.
وأكد حمزي أن الهدف من هذا البرنامج، هو إظهار جمال وتنوع الجزائر الطبيعية والثقافية من خلال الكاميرا، وتسليط الضوء على أماكن قد تكون غير معروفة للكثيرين، ما يساهم بحسبه، في تعزيز السياحة الداخلية ودعوة الجزائريين لاكتشاف كنوز وطنهم، والمساهمة في جمع معلومات حول المناطق التي لا تزال تحتفظ بتقاليد “الفنتازيا” في الأعراس والاحتفالات المحلية، وكشف المتحدث أنه يبحث من خلال أعماله في مجال التصوير عن مشاهد تعكس عادات الأجداد وتقام في أجواء شعبية أصيلة، مثل عروض الزفاف أو الاستعراضات التقليدية الحرة التي تحيي هذا الإرث التراثي.
وشدّد خالد، على أهمية هذا المشروع الذي يهدف إلى تسليط الضوء على جوانب من الثقافة الجزائرية الأصيلة، داعيا كل من لديه معلومات أو اقتراحات عن هذه التقاليد في ولايته أو منطقته إلى المساهمة والمشاركة لتحقيق هذا العمل، المشروع يتم تحت رعاية فريق مختص لتوثيق التراث.
التقاط الصور تحول إلى هوس للبحث عن التميز
وبالمقابل، سلط المختص في علم الاجتماع مسعود بن حليمة، الضوء على تطور وظيفة المصور الفوتوغرافي في المجتمع الجزائري، وتنقل أدوارها التقليدية إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أعمق، وأوضح بن حليمة أن الصورة التي كانت تلتقط في الماضي خلال المناسبات فقط كذكرى أو لاستخدامها في بطاقة الهوية، تحولت اليوم إلى وسيلة حديثة لإثبات الذات، بل أصبحت بالنسبة للكثيرين رمزا للوجود والتباهي الاجتماعي، حيث يتباهى الأشخاص بالتقاط الصور مع شخصيات معروفة أو في مواقع سياحية وثقافية مشهورة.
وأضاف المتحدث، أن هذا التحول في استخدام الصورة هو محاولة لإثبات وجود الشخص في الفضاء الافتراضي والذي يطغى عليه الشك وانعدام الثقة بين الأشخاص، وأشار بن حليمة إلى أن الصورة باتت تلعب دورا معقدا على الصعيد النفسي، حيث تشكل عند البعض هوسا بالتقاطها في كل المناسبات، ما قد يؤثر على نفسيتهم ويشكل عقدة لهم، مضيفا أن الرغبة في التميز عبر الصور قد تدفع البعض إلى إظهار حياة مثالية لا تعكس واقعهم الحقيقي، الأمر الذي يعزز ظاهرة التباهي ويدفع آخرين إلى الوقوع في فخ النصب والاحتيال.
ويؤكد بن حليمة على أن الصورة، إذا ما أُحسن استخدامها يمكن أن تساهم في الترويج للتراث وتسليط الضوء على جوانب خفية من الثقافة الجزائرية، موضحا أنها يمكن أن تخدم الاقتصاد السياحي بطريقة إيجابية.