جزائريون يصرفون 70 مليونا على العطلة في أسبوع !
يشكل قضاء أبناء الجالية الجزائرية بالخارج وفرنسا على وجه الخصوص، عطلتهم الصيفية بالجزائر، موردا حيويا ومتنفسا للاقتصاد الوطني، الذي يعاني من اختناق بسبب تراجع أسعار النفط.. فالعملة الصعبة التي يعودون بها، كفيلة بتحريك العجلة المتعثرة. فلماذا ينفر هؤلاء الجزائريون أو أغلبهم، على المجيء لمسقط رأسهم؟ وهل أنهم أقل وطنية من غيرهم؟ أم أنهم ضحية سوء تسيير حكومة بلادهم لهذا الملف الذي خصصت له وزارات وتدابير لكنها بقيت مجرد حبر على ورق؟ هذه الأسئلة وأخرى سيجيب عنها الملف السياسي لهذا الخميس.
جزائريون يفرون من بلادهم صيفا والحكومة عاجزة عن استقطابهم
تونس وتركيا للزاولية.. وجزر الكراييب والمالديف لأصحاب “الشكارة“
ترتفع نسبة السياح الجزائريين الهاربين من بلادهم سنة بعد أخرى. وتحمل العائلات مع كل صائفة شعار “أين سنقضي العطلة هل في تونس أم المغرب أم دبي؟ ولم لا جزر الكراييب أو المالديف..؟” بدورهم، أبناء الجالية، أضحوا “يُعادون” بلادهم سياحيا ولا يبالون بحنين الوطن والتمتع بسحر شواطئه الشرقية والغربية. ويبررون ذلك بغلاء تذاكر السفر وانعدام الفنادق والإمكانات، التي تضمن لهم “صيفا هادئا“. فمن يتحمل مسؤولية غياب استراتيجية واضحة لتسيير قطاع أضحت الشعوب تقتات منه بعيدا عن الريع البترولي؟
تعيش أغلب الوكالات السياحية “خيبة” مع كل صائفة، إذ تعرف حركة محتشمة من قبل الجزائريين المقيمين بالمهجر الذين لا تفي حجوزاتهم لقضاء عطلة الصيف بوطنهم بالغرض، ما جعلهم يعولون على استقطاب الجزائريين الذين أدمنوا السياحة الخارجية في السنوات الأخيرة.
ويؤكد إلياس سنوسي، رئيس نقابة الوكالات السياحية لـ“الشروق” أن 99 بالمائة من الجالية الجزائرية المقيمة بالمهجر لا تستقطبها السياحة في بلادها لانعدام الإمكانات والمرافق. وهو أمر لا يمكن الكذب فيه أو تغطيته. واستغرب سنوسي الشعار الذي أطلقته وزارة السياحة “اعرف بلادك أولا“.. ليتساءل: كيف يعرف السائح بلاده وهي لا تمتلك هياكل قاعدية لاستقباله.. فلا فنادق ولا مطاعم تليق بالزوار ولا شواطئ مهئية“!
واعتبر محدثنا أن الذين يأتون إلى الجزائر إما أنهم يمتلكون منازل في الجزائر أو يقضون عطلهم عند الأقارب والأهل.
وعاب نائب رئيس الوكالات السياحية تمسك الحكومة بعدم تخفيض أسعار تذاكر السفر لاستقطاب السياح، خاصة في ظل تهاوي أسعار البترول، إذ من المفروض أن تعول الجزائر على إنعاش السياحة، خاصة أن وزير السياحة، عمار غول، اعترف مؤخرا أن الخزينة العمومية لا تستفيد من القطاع السياحي إلا بـ 2 بالمائة وهو رقم ضئيل جدا مقارنة بجيراننا.
ورفض سنوسي التهم الموجه إلى الوكالات السياحية بعدم لعب دورها في استقطاب سياح المهجر وحتى الأجانب: “الوكالات تعاني كثيرا بل إنها من بين المتضررين، خاصة أن عملها يرتكز على السياحة الاستقبالية“. وعبر سنوسي عن أمله في أن تكون إجراءات تحفيزية للوكالات حتى تتمكن من جلب السياح الأجانب واستفادة 50 قطاعا من السياحة، على غرار المطاعم والصناعات التقليدية والزخرفة، وفتح باب الاستثمار أمام الخواص بصفة مستعجلة.
بالمقابل، اعترف أحد أصحاب الوكالات السياحة، رفض ذكر سمه، أنه شخصيا لا يقضي عطلة الصيف بالجزائر وأنه سيتوجه إلى تونس رغم الوضع الأمني الحساس. وبحكم عمله، اعترف أن الجزائريين لم تعد وجهتهم تونس أو المغرب وتركيا التي أضحت للزاولية بل تعدت ذلك، إلى وجهات “هاي كلاس“، على غرار جزر الكراييب ولانكوي بماليزيا التي تكلف الشخص الواحد لمدة أسبوع فقط 30 مليونا، في وقت يدفع الزائر الراغب في قضاء عطلة خيالية لمدة 10 أيام مع مرافق له بالمالديف 70 مليونا. وأضحت هذه الوجهات، التي كانت في وقت قريب خيالية بالنسبة إلى الجزائريين، الأكثر طلبا من طرف أصحاب “الشكارة” كرجال الأعمال وشخصيات “vip“.
لهذه الأسباب يعزف الجزائريون عن السياحة في بلادهم
تكشف إحصائيات رسمية حجم التقصير الذي تعاني منه الجالية الجزائرية بالخارج، ففي الوقت الذي يفترض أن تسخر السلطات كل ما أوتيت من إمكانيات لاستقطاب أبناء جاليتها على الأقل في العطلة الصيفية، تجدها وكأنها تضع العراقيل لمنع استفادة الوطن من كافة أبنائه.
ويمكن الاستناد في هذه القراءة إلى آخر الأرقام الصادرة عن الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع لمنظمة الأمم المتحدة المتعلقة بتحويلات أبناء الجالية المغاربية، والتي وضعت الجزائر في مؤخرة القائمة، بالرغم من أنهم أكثر بكثير من نظرائهم التونسيين والمغاربة.
ويؤشر هذا المعطى على أن أبناء الجالية لا يقضون عطلتهم الصيفية في بلادهم، وهو ما يحرم الجزائر من موارد مالية معتبرة، تساهم في تحريك عجلة الاقتصاد المتعثرة، وخاصة في ظل الحاجة الملحة للعملة الصعبة، في ظل تراجع مداخيل الدولة من المحروقات إلى النصف بسبب تراجع أسعارها.
ويتطلب تشجيع المهاجرين على قضاء عطلهم بالجزائر، جملة من الإجراءات يفترض رصدها من قبل الحكومة، تبدأ بتسهيل حركة تنقلاتهم من وإلى الدولة التي يقيمون بها، وانتهاء بتوفير مرافق الاستقبال، مرورا بتفادي التعقيدات المتعلقة بإجراءات العبور على مستوى المطارات والموانئ.
والمؤسف هو أن هذه التسهيلات تبقى غائبة تماما عن الجالية الجزائرية، مقارنة بجاليات الدول المجاورة على غرار كل من تونس والمغرب، رغم كثرة الاستغاثات من أبناء الجالية، والتي يبدو أنها لم تجد أدانا صاغية.
ويكفي للتدليل على ما سبق، الغلاء الفاحش والخدمات الرديئة لشركة الخطوط الجوية الجزائرية، فالأسعار المعمول بها من قبل “الجزائرية“، ولاسيما عبر خطوطها نحو فرنسا، تعتبر الأغلى في العالم، حسب إحصائية دولية سابقة، والتي أكدت أن سعر الخط الرابط بين الجزائر وباريس أغلى من سعر الخط الرابط بين باريس وبانكوك (عاصمة تايلندا) في أقصى جنوب شرقي آسيا.
وقد أكدت هذه الدراسة أن متوسط سعر الكيلومتر الواحد من باريس إلى بانكوك بلغ 0.04 أورو، في حين أن سعر الكيلوميتر على مستوى خط باريس ـ الجزائر يقدر بنحو 0.14 أورو، ما يعني أنه لو طبق سعر خط بانكوك ـ باريس، على خط الجزائر ـ باريس، سيكون سعر التذكرة في حدود 108 أورو فقط، وهو سعر جد مقبول بالنسبة لجالية تعاني من أزمة اقتصادية خانقة تضرب الدولة التي يقيمون بها، في حين أن السعر المعمول به هو في حدود الـ300 أورو.
ولم يكن النقل الجوي هو النقطة السوداء الوحيدة في مشروع ربط الجزائر بجاليتها، فالنقل البحري أيضا يعاني من غلاء فاحش وغير مبرر، بالرغم من أنه يبقى الأكثر استقطابا من قبل المسافرين صيفا، لكونهم عادة ما يأتون بسياراتهم، وتؤكد هذا مقارنة بسيطة بين سعر خط الجزائر ـ مرسيليا (مسافة 700 كلم)، وخط مرسيليا ـ غيتواي بلندن، الذي يمتد على آلاف الكيلومترات، حيث يقدر سعر الأول بنحو 500 أورو، مقابل 183 أورو فقط للثاني رغم فارق البعد.
النائب عن الجالية بفرنسا سمير شعابنة:
الجزائريون يفضلون البواخر التونسية لكونها أقل سعرا
حملَ النائب عن الجالية الجزائرية في فرنسا، سمير شعابنة، الدولة مسؤولية عزوف الجالية الجزائرية في الخارج وخاصة الجيل الرابع، من دخول الجزائر أثناء العطلة الصيفية، بسبب عدم توفر الهياكل السياحية للاستقبال، وكذا غلاء تذاكر السفر، وهو ما ينعكس – حسبه – سلبا على الحركة التجارية والاقتصاد الجزائري.
ويرى شعابنة بأن مشكل الجالية الجزائرية يزداد حدة سنة بعد أخرى، حيث أن أولاد المهاجرين من الجيل الرابع ينفرون من زيارة بلاد أجدادهم وآبائهم لعدم توفر الهياكل القاعدية للاستقبال والظروف الحسنة لقضاء عطلة الصيف مقارنة بدول الجوار أو دول أوربية، وكل هذا يضاف إليه، يقول شعابنة، غلاء الخدمات بداية بتذاكر النقل الجوي وخاصة البحري إلى غلاء أسعار الفنادق.
وكشف النائب عن الجالية الجزائرية بفرنسا أن الكثير من العائلات الجزائرية في الخارج تضطر لزيارة الجزائر بدون أولاد لأن سعر التذاكر جد خيالي حيث تصل 400 أورو من مرسيليا للجزائر، في حين أن سعر السفر عبر شركات طيران أجنبية لدول بعيدة عن فرنسا، وبخدمات أحسن يكون أقل أو يساوي هذا المبلغ.
وشدَد شعابنة على ضرورة فتح السماء للمنافسة ومنح الفرصة لشركات الطيران لتقديم عروضها وكسر الاحتكار، لتمكين الجالية من العودة للوطن، مشيرا إلى أن فتح المنافسة لا يعني تكسير شركة الخطوط الجوية الجزائرية، بقدر ما يفتح المجال للتقديم عروض تنافسية، ومنح خدمات أفضل لخدمة أبناء الجزائر والمساهمة في إنعاش الاقتصاد الجزائري من خلال المبادلات التجارية والحركية الاقتصادية للأموال والذي ينجم عن الاستفادة، من دخول الجالية للجزائر، بدل هربها وتفضيلها لبلدان أخرى مثلما يحدث في السنوات الأخيرة.
وطالب المتحدث بضرورة مراجعة نظرة الدولة للجالية وتعدادها على أساس سياح، وتمكين هؤلاء من دخول بلدهم لأن عزوفهم سيخلق خسارة كبيرة للحركة التجارية من جهة، وسيخلق قطيعة بينهم وبين بلدهم الأم وحبهم للوطن من جهة أخرى.
وأشار شعابنة إلى مشكل غلاء تذاكر النقل البحري التي أصبحت هاجسا يؤرق المهاجرين الجزائريين، والذين يعيش أغلبهم في أزمة اقتصادية خانقة بالدول الأوروبية ويعانون البطالة، وأضاف بأن المهاجر الجزائري يحتاج إلى مبلغ 10 آلاف أورو ليتمكن من قضاء عطلة في الجزائر وتأمين سعر التذاكر عبر الباخرة الخاص بعائلته وبسيارته، في حين أنه يمكن أن يقضي عطلة بخدمات أحسن بحوالي 1500 أورو في إسبانيا أو المغرب وتونس.
وأكد في السياق بأن الجزائريين حيال هذه الوضعية يفضلون السفر عبر البواخر التونسية لأنها أقل سعرا للمجيء بعدها للجزائر، متسائلا عن سياسة النقل البحري الجزائري، والتي جعلت الزبائن يهربون إلى شركات نقل أخرى، وهو السبب الذي جعل أغلبية الجالية تحول الوجهة من بلدها الأم إلى دول أخرى، ليطالب ذات المتحدث بتخفيض الأسعار الخاصة بالنقل البحري وفتح الباب للمنافسة، وخلق تبادلات مع الشباب ومخيمات صيفية لفائدة أبناء الجالية بالخارج.
المسؤولون يرفضون الانتقادات ويتهمون متعاملين أجانب بـ“المؤامرة“
تذكرة سفر الجزائر ـ فرنسا.. خطوتان بأسعار أغلى 3 مرات!
لا تزال تذكرة السفر الجزائر ـ فرنسا تثير جدلا بسبب الارتفاع الباهظ في الأسعار، مقارنة مع تلك المعتمدة لدى شركات النقل الأجنبية. ويقترح متعاملو الطيران والنقل البحري بتونس والمغرب أسعارا أقل 3 مرات، بحسب الشكاوى التي أودعها المهاجرون الجزائريون لدى الشركتين الوطنيتين للنقل البحري والجوية الجزائرية. وهو ما تسبب في خلق فوضى عارمة خلال الأسابيع الماضية.
وطبقا لما علمته “الشروق“، تتجاوز قيمة تذكرة السفر بحرا من فرنسا إلى الجزائر 500 أورو. وهي التسعيرة التي خفضتها الشركة الوطنية للنقل البحري بداية من شهر جوان الماضي إلى 250 أورو لتمكين أفراد الجالية من الالتحاق بأرض الوطن قبل رمضان، في وقت لا تزال المؤسسة تواجه الانتقادات بسبب ما يصفه المهاجرون بالأسعار المرتفعة من ميناء مرسيليا إلى الجزائر، مقارنة مع الرحلات المتجهة نحو تونس والمغرب وحتى نحو دول أبعد من ذلك بكثير وهي التي قالوا إنها تعادل النصف ولا تتجاوز في الكثير من دول العالم 100 أورو.
ورفض الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للنقل البحري، احسن قرايرية، الاتهامات الموجهة إلى شركته وقال إن الأسعار في متناول المواطنين وإن الأرقام التخفيضية التي تكشف عنها في كل مرة الشركة، أحسن من تلك التي تقترحها الشركات الفرنسية وأرخص. وأضاف المتحدث، في تصريح لـ“الشروق“: “إذا كنتم ترغبون في تقييم أسعارنا نحو فرنسا، فما عليكم إلا النظر في الأسعار التي تقترحها تونس والمغرب لجالياتها. هي أغلى بكثير. فلماذا الاستهجان“.
وكشف المسؤول الأول عن الشركة عن استفادة الجالية القادمة من فرنسا سنويا من تخفيضات تدوم شهرا أو أكثر. وهذا بحسب الحاجة، مضيفا أن “شركة النقل البحري دائما في خدمة الجالية والمهاجرين ولا تدخر جهدا لإرضائهم وتسهيل عملية تنقلهم وفق أرخص الأسعار. وأتحدّى من يثبت العكس“.
من جهة أخرى، تعادل تذكرة التنقل إلى فرنسا عبر رحلات الجوية الجزائرية مثل مارسيليا وباريس وليل خلال فترة الذروة بحسب الأرقام التي تحصلنا عليها من الموقع الإلكتروني للشركة 450 أورو، أو 440 أورو. في حين تتراوح ما بين 430 أورو و420 أورو للشركات الأجنبية المنافسة. وتنخفض الأسعار لدى الجوية الجزائرية إلى 290 أورو في الفترة الممتدة من 15 أوت إلى15 سبتمبر مقابل 270 أورو و280 أورو لشركتين منافستين. وهو ما يوضح أن أسعار الشركة الوطنية أعلى من منافسيها حتى في فترة التخفيضات.
واعتبرت مصادر من شركة الخطوط الجوية الجزائرية أن الأسعار التي تقترحها هذه الأخيرة تنافسية وغير مرتفعة رافضة الاتهامات الموجهة إليها من طرف الزبائن، قائلة: إن “الجزائرية” الأحسن في العالم، فلا وجود بحسبها لشركة طيران تنتظر المسافرين المتأخرين وتسمح للزبائن بنقل الأمتعة التي يرغبون فيها دون أن تلزمهم دفع دينار إضافي. وتقدم الوجبات الأحسن. كما أن الأسعار المقترحة منطقية ومعقولة، مضيفة: “منافسو الجوية الجزائرية يحاولون كسرها من خلال اقتراح أسعار أقل. وهو مخطط بائن للضغط على الحكومة حتى تفتح المجال الجوي أمام الخواص وتسمح بدخول المستثمرين المحليين والأجانب إلى هذه السوق التي تثير شهية الكثيرين“.