-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جزائر‭ ‬بيضاء‭ ‬وعمارات‭ ‬مميتة

بشير مصيطفى
  • 4626
  • 1
جزائر‭ ‬بيضاء‭ ‬وعمارات‭ ‬مميتة

شهدت العاصمة مؤخرا حادثا مأساويا راح ضحيته اطار جزائري في قطاع التأمينات، هي تعليمه بالخارج وأسس لنشاط خاص في سوق لا زالت تتوسع باستمرار -هي سوق التأمين وإعادة التأمين- وكان من الاطارات الجزائرية القليلة التي استثمرت في الخبرة وفي منتوج مخاطر هو التأمين على‭ ‬الحياة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬حياته‭ ‬هو‭ ‬شخصيا‭ ‬بسبب‭ ‬الاهمال‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يرحم،‭ ‬وعندما‭ ‬يتعلق‭ ‬هذا‭ ‬الإهمال‭ ‬بمصالح‭ ‬الخدمة‭ ‬العمومية‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬يأخذ‭ ‬أبعادا‭ ‬مختلفة‭.‬

  • فماذا يعني أن يموت اطار عالي التكوين بسبب سقوط جزء من شرفة شقة تابعة لديوان ترقية وتسيير السكن في واحد من أرقى أحياء العاصمة؟ وهل بات أمر صيانة الحظيرة السكنية ثانويا؟ وما الكلفة التي على المجتمع أن يتحملها جراء هذا الوضع؟ ومن الذي عليه تحمل مسؤولية حادث كهذا؟
  • جزائر‭ ‬بيضاء‭ ‬وعمارات‭ ‬مميتة
  • ليست هي المرة الأولى التي تحمل لنا الأنباء خبر سقوط أجزاء من شرفات المنازل على رؤوس المارة وسط العاصمة، ويمكن العودة لأرشيف المستشفيات لكي نعرف كم فقد المجتمع العاصمي من أفراده جراء عيوب في الصيانة وإهمال الجهات الوصية لرسائل الشكوى من تدهور الحظيرة السكنية، آخرها وفاة اطار التأمينات الجزائري “ياسين بلعلام” رحمه الله بشارع حسيبة بن بوعلي. الحادثة مرت عابرة وكأنها حادث عادي على الرغم من أنها تحمل دلالات على صعيد: المسؤولية المدنية، ادارة الأصول التابعة للدولة، ترقية خدمات السكن، تثمين رأس المال العقاري، صيانة‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬المدربة،‭ ‬وأخيرا‭ ‬حفظ‭ ‬النفس‭ ‬التي‭ ‬جعل‭ ‬الله‭ ‬قتلها‭ ‬قتلا‭ ‬لجميع‭ ‬الأنفس‭.‬
  • فأما المسؤولية المدنية فإن المؤسسة الحديثة -وخاصة تلك التي تتدخل في حقل الخدمات- تجاوزت هدف الربح التجاري الى تقاسم المسؤولية بينها وبين السكان، وكما تسعى تلك المؤسسات -وفي حالتنا ديوان ترقية وتسيير السكن- الى تحميل مستأجري المساكن مسؤولية دفع حقوق الايجار زائدا الأعباء الاضافية فإنها أيضا ملزمة أخلاقيا بتحمل مسؤوليتها في صيانة الجزء الاجتماعي والمشترك لتلك المساكن، وهذا ليس من باب الالتزامات التي ينص عليها القانون ولكن من باب المسؤولية المدنية باعتبارها جزءا من الأداء التجاري  للمؤسسات ذات الطابع الاقتصادي. لقد عرفت العاصمة منذ فترة بالجزائر البيضاء وأثنى عليها الشعراء لأنها استهوتهم واستهوت ملكاتهم الشعرية، وذلك قبل أن تتحول بعض عماراتها المهترئة الى قنابل موقوتة ومميتة والجميع يتذكر ما آلت اليه القصبة العتيقة وما خلفته مبانيها من مآس لا لشيء إلا لأن المصالح‭ ‬المعنية‭ ‬لا‭ ‬تتدخل‭ ‬عادة‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭.‬
  •  الإهمال‭ ‬المنظم‭ ‬إهدار‭ ‬للموارد
  • انتقل تسيير الأصول العامة في الدول من خانة الادارة الى الحوكمة، ويعني ذلك أن يستقل المالك عن المسير وأن يبدي المسير درجة متقدمة في المهنية والذكاء المتصل بالادارة، وفي حالة الحظيرة السكنية تعني الحوكمة أن يكون ديوان ترقية وتسيير السكن ذكيا فعلا في جانب الترقية، وأن يمثل السكن الاجتماعي لديه رأسمالا فنيا تجري عليه صفة الاهتلاك كما تجري على أدوات الانتاج. في هذه الحالة تكون الحلول الخاصة بالصيانة والاستبدال حلولا ذات طابع اقتصادي فضلا عن موقعها ضمن مفهوم المسؤولية الاجتماعية. وغير ذلك اهدار للموارد التي تختزن‭ ‬جزءا‭ ‬مهما‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬العمومي‭. ‬وهكذا‭ ‬يتأكد‭ ‬بأن‭ ‬المسكن‭ ‬الذي‭ ‬نشغله‭ ‬يحمل‭ ‬محتوى‭ ‬اقتصاديا‭ ‬واجتماعيا‭ ‬وفنيا‭ ‬ويشكل‭ ‬ساحة‭ ‬لاختبار‭ ‬سياسة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬التسيير‭ ‬وقدرة‭ ‬المصالح‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬مصالح‭ ‬السكان‭.‬
  • وفي جانب الموارد البشرية فإن أي حادث مثل الحادث الذي أشرنا اليه هو صورة مصغرة عن التكاليف التي على المجتمع أن يتحملها جراء فقدان تلك الرؤية لدى القائمين على مصالح السكان، وعندما يكون الضحية اطارا يختزن رأسمالا بشريا فإن الخسارة تمس أطوار التعليم بتكاليفها الباهظة في دولة تعتبر التعليم سياسة اجتماعية، وتمس التكوين والتدريب بتكاليفه الباهظة أيضا وتمس سوقا عالية المهارة يتقاطع فيها التشغيل بالتدريب. من السهل جدا لنا أن نعوض آلة بآلة وشيئا بشيء ولكن من الصعوبة بمكان أن نستبدل الفكرة أو نعوض الانسان عالي التكوين‭ ‬أو‭ ‬نشتري‭ ‬الحياة‭ ‬مرة‭ ‬ثانية
  •  الدرس‭ ‬المتبقي
  • ما‭ ‬الدرس‭ ‬المتبقي‭ ‬من‭ ‬وفاة‭ ‬اطار‭ ‬مالي‭ ‬جزائري‭ ‬عالي‭ ‬التكوين‭ ‬بسبب‭ ‬سقوط‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬شرفة‭ ‬منزل‭ ‬عليه‭ ‬بواحد‭ ‬من‭ ‬أرقى‭ ‬أحياء‭ ‬العاصمة؟
  • المستقبل قد يحمل حوادث أكبر وأثقل ما لم تسارع المصالح المعنية الى احصاء المنازل المهددة بالسقوط وتلك التي تشكل خطرا على حياة وأمن السكان، وقبل ذلك على تلك المصالح الرجوع الى أرشيف الشكاوى المتعلقة بعيوب البناء وسوء الصيانة والتي ما زال المواطنون يقدمونها للسلطات‭. ‬وعلى‭ ‬تلك‭ ‬المصالح‭ ‬مباشرة‭ ‬أشغال‭ ‬الصيانة‭ ‬ولا‮ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬هياكل‭ ‬البناء‭ ‬قبل‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭. ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬الأشغال‭ ‬رفيقة‭ ‬لبرامج‭ ‬الانجاز‭ ‬ومكملة‭ ‬للوظيفة‭ ‬العمومية‭ ‬للدولة‭ .‬
  • لا زالت الجزائر رائدة في الاستثمارات العمومية الخاصة بالإسكان وكلنا يكون قد اطلع على التخصيص المالي الجديد لقطاع السكن والحظيرة السكنية بكل فئاتها والذي لامس أربعين مليار دولار على مدى الخمس سنوات القادمة، وما زالت الحكومة تحصي انجازاتها في هذا القطاع منذ اطلاق البرامج الوطنية، وربما حان الأوان لإطلاق رؤية جديدة في مجال تثمين تلك المنجزات، رؤية قائمة على التسيير الذكي والصيانة المتواصلة ليس على خلفية الادارة الرشيدة للموارد ولكن على خلفية المسؤولية الأخلاقية أيضا. رحم الله ياسين بلعلام وجعل من موته حياة للضمائر‭.‬
  •  
  •  
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • سعدي فايزة

    رحم الله الزميل و الأخ ياسين بلعلام كان زميلا قمة في الأخلاق و التواضع و قد استفدنا كثيرا منه في العمل
    طموحه كان خارقا، انسان مليئ بالحيوية، شعلة من الأفكار رحم الله الفقيد و أنار له قبره قطاع التأمينات لن ينساك إن لله و إنا إليه راجعون