-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جغرافيا الكتاب المقدَّس وأوهام إسرائيل الكبرى

ناصر حمدادوش
  • 818
  • 0
جغرافيا الكتاب المقدَّس وأوهام إسرائيل الكبرى

هناك مَن يعود بالسياسة في إحدى تعاريفها إلى أنها امتدادٌ للحرب، وأنَّ الواقع ليس انعكاسًا لحجم القوى وتوازناتها في الواقع، بل هي مسرحٌ لصراع العقول والإرادات. وفي الوقت الذي تتراجع فيه فاعلية التنبُّؤات، فإنَّ العقل الغربي يسارع بشكلٍ غريبٍ نحو أوهام النبوءات الدينية المحرَّفة.

وحده الاستثناء الصهيوني هو الذي يريد أن يعزف خارج حدود المنطق، ويلفت الانتباه إلى أنَّ الأوهام الدينية لهذا الكيان اللقيط هي التي تتحوَّل بسرعةٍ إلى سياسةِ دولة على أرض الواقع، ولو بمواجهة العالم بأسْره، فقد صدر قرار تقسيم فلسطين رقم 181 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 29 نوفمبر 1947م إلى 3 كياناتٍ جديدة، وهي: دولة عربية مساحتها 42.3% من فلسطين، ودولة يهودية مساحتها 57.7% من فلسطين، والقدس وبيت لحم والأراضي المجاورة، كأماكن مقدَّسة تحت الوصاية الدولية، وهو القرار الأول في محاولات الأمم المتحدة لحلِّ القضية الفلسطينية.

إلاَّ أنَّ حجم الأوهام الدينية في الكيان الصهيوني، والتي بدأت كخرافاتٍ في خيالات بعض النخب اليهودية بدأت تأخذ الطابع الشعبي، كأفكارِ التوسُّع الجغرافي، والتعجيل بنهاية التاريخ، وقدوم المسيح المخلِّص، لتحتلَّ مساحاتٍ حقيقيةً في الخطاب السياسي الرَّسمي، وينتقل هذا النوع من التفكير الرغائبي من هوامش الثقافة الصهيونية المتطرِّفة إلى مركز الحكم في سياسة اليمين الديني بزعامة مجرم الحرب “نتنياهو”، والذي قال عنه الإعلامي اليميني “يانونماجال” هذه الأيام في الصحيفة العبرية “هآرتس”: “إننا مقبلون على أيامٍ عظيمةٍ حقًّا، ووحده المسيح هو مَن يمكن أنْ يَحِلَّ محلَّ نتنياهو”.

ولا نعتقد بأنَّ تأييد الكيان الصهيوني في الغرب، وتحديدًا في أمريكا، والتي ترسم (المسيحية الصهيونية) سياستها اتجاه إسرائيل مبنيٌّ على أساس الحجة والبرهان، بل إنَّ الكثير من هؤلاء الساسة الغربيين يتأثر بتلك الأوهام الدينية المحرَّفة، بعيدًا عن الاستدلال العقلي والمنهجية العلمية التي تعتز بها الحضارة الغربية. ذلك أنَّ استدعاء النصوص الدينية هو الذي نقل المشروع الصهيوني من الفكرة إلى الدولة، وانتقلت بإسرائيل من مشروعٍ سياسي غربي استعماري إلى جغرافيا الكتاب المقدس، والمتمثلة في “إسرائيل الكبرى”، والمُعرَّفة حدودها تلموديًّا من نهر الفرات بالعراق إلى نهر النيل بمصر، والتي تبتلع فلسطين ولبنان وسوريا والعراق والنصف الشمالي من السعودية، وأنَّ شرعنة هذه الحدود تمرُّ حتمًا عبر الدفع بقوة النبوءات الدينية التي آمن بها المسيحيون الإنجيليون في الغرب، للتخلص من الجنس اليهودي عندهم، باعتبارهم “نفايات بشرية” يجب التخلُّص منها، وحلِّ المسألة اليهودية إلى الأبد.

هذا الغرب الذي يؤمن بالحرب الفاصلة بين محور الخير (النعمة) ومحور الشر (النقمة)، والتي سيقودها “المسيح” من فلسطين، إلاَّ أنَّ مجيئه المقدَّس لن يحدث إلا إذا تحقَّقت النبوءة التوراتية بسيطرة اليهود على أرض فلسطين التاريخية، فالمسيحية الصهيونية تعتقد بأنَّ احتلال إسرائيل لهذه الدول العربية هو تحقيقٌ لوعد العهد القديم، وأنَّ الدافع لتمكين إسرائيل من مشروعها التوسعي هذا، هو اعتقادهم الديني بأنَّ قيام الدولة اليهودية وعاصمتها “القدس” الموحَّدة هو الذي يعجِّل بالعودة الثانية للمسيح، ودخول اليهود في المسيحية، فهذا القس المسيحي الأمريكي “جون هاغي” الذي يرأس منظمة “مسيحيون متَّحدون من أجل إسرائيل”، والتي يبلغ عدد أعضائها 10 ملايين عضو سنة 2022م، وهي من أكثر المنظمات تأثيرًا في السياسة الأمريكية، ومن أهم حلفاء إسرائيل فيها، قد صرَّح خلال هذه السنة 2024م بأنَّ الدولة الموعودة لإسرائيل في العهد القديم لا تشمل فلسطين فقط، وإنما تمتد أيضًا لتشمل كلَّ لبنان وسوريا والعراق والكويت والأردن، وخُمس مساحة مصر، وثلاثة أرباع مساحة المملكة العربية السعودية.

ولا نحتاج إلى كثيرٍ من الذكاء حتى نكتشف تلك الرمزيات التي يختزنها العقل الصهيوني في هذا الكيان التوسُّعي النازي، فهو لا يزال يحتفظ بخارطة “إسرائيل الكبرى” فوق بوابة الكنيست (البرلمان الصهيوني)، وعلى العملة النقدية “الشيكل”، والخطَّين الأزرقين في العَلَم الإسرائيلي، إشارةً إلى نهر النيل ونهر الفرات، وتلك الصورة المتداولة على ملابس الجندي الصهيوني في الحرب الهمجية على قطاع غزة، والتي تجسِّد ذلك التصوُّر التلمودي من الخيال الديني لخارطة “إسرائيل الكبرى”.

تلك الخريطة المشؤومة تعكس بصدقٍ تلك الأجندات التوسعية للكيان الصهيوني، وقد امتلأت أدبياته السياسية ومعتقداته الدينية بها، وهي الطموحات النازية التي تؤكد حقيقة المشروع الصهيوني في المنطقة، والذي يقوم بالأساس على الجغرافيا الدينية، وهي الحدود الحقيقية التي تحلم بها إسرائيل ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد، والتي تتجاوز الأهداف الوهمية المعلنة بالقضاء على المقاومة في غزة وتحرير الأسرى، وردع المقاومة في لبنان وإعادة النازحين الصهاينة إلى شمال هذا الكيان، إلى أوهام “إسرائيل الكبرى” التي تذكّرنا بالطموحات الإمبراطورية لألمانيا النازية، وتؤكد أنَّ هذا “المفهوم التوسعي العدواني” سينتهك سيادة الدول العربية، ولا يتوقف عند حدود دماء وأشلاء أبطال المقاومة في المنطقة، فمشروع “إسرائيل الكبرى” أصبح أكثر حضورًا وواقعيةً، من تلك النبوءات الدينية النخبوية، وأنه أشدُّ سخونة في النقاش على المستوى السياسي والديني الصهيوني، وخاصةً أمام تصاعد النشوة الدينية بسيطرة التيار اليميني المتطرف المتحالف مع نتنياهو، وقد ازداد شراهةً بعد هذه الإنجازات التكتيكية التي حققتها إسرائيل باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية- حماس “إسماعيل هنية” في طهران يوم 31 جويلية 2024م، وحجم الاختراقات التي أظهرتها في لبنان، ابتداءً من تفجيرات أجهزة (البيجرز) واللاسلكي لحزب الله يومي 17 و18 سبتمبر 2024م، وانتهاء باغتيال عدد من قادة المقاومة اللبنانية السياسية والعسكرية، وعلى رأسهم اغتيال الأمين العام للحزب “حسن نصر الله” يوم 27 سبتمبر 2024م.

هذا الغرب الذي يؤمن بالحرب الفاصلة التي سيقودها “المسيح” من فلسطين، إلاَّ أنَّ مجيئه المقدَّس لن يحدث إلا إذا تحقَّقت النبوءة التوراتية بسيطرة اليهود على أرض فلسطين التاريخية، فالمسيحية الصهيونية تعتقد بأنَّ احتلال إسرائيل لهذه الدول العربية هو تحقيقٌ لوعد العهد القديم، وأنَّ الدافع لتمكين إسرائيل من مشروعها التوسعي هذا، هو اعتقادهم الديني بأنَّ قيام الدولة اليهودية وعاصمتها “القدس” الموحَّدة هو الذي يعجِّل بالعودة الثانية للمسيح.

وفي الوقت الذي يتصاعد فيه الجنون الصهيوني على لبنان، تحت ذريعة إعادة النازحين الصهاينة إلى الشمال، كتب “مارك فيش” الذي ينتمي إلى حركةٍ دينيةٍ إسرائيلية تُدعى “شوفا إسرائيل”، مقالاً في صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، يوم 25 سبتمبر 2024م، يتحدَّث فيه عن أنَّ لبنان “جزءٌ من أرض إسرائيل الموعودة التي سيعيدها الله إلى إسرائيل قريبًا”، وبدأ مقاله بالتأكيد على أنَّ آيات التوراة تحمل رسائل عميقة يمكن الاستفادة منها في القراءة الصحيحة للأحداث الجارية، تفتح الأبواب جيِّدًا لفهم رسائل التوراة، المتجاوزة للتاريخ والجغرافيا بشكلٍ أفضل، وأنَّ هذا العدوان على لبنان يثير التساؤلات المتجدِّدة في المخيال السياسي الصهيوني حول الحدود الشمالية لأرض إسرائيل دينيًّا، وأنَّ إسرائيل ملزَمة بغزو المناطق التي يتضمَّنها الوعد الإلهي لها.

هذا الجنون الصهيوني في توسيع دائرة الصراع، وفتح هذه الجبهات المتزامنة، باستمرار الحرب المجنونة على غزة والضفة الغربية، والعدوان الهمجي على لبنان، والقصف الغادر على اليمن، والهجوم المستمرّ على سوريا، واستهداف المقاومة الإسلامية في العراق، وانتهاك سيادة إيران، ما هو إلا جزءٌ من مشروع أيديولوجي عميق، يرتكز على هذه الجغرافيا من الكتاب المقدَّس، وخرافات “إسرائيل الكبرى” المزعومة، والذي يسعى إلى فرض واقعٍ جديدٍ في المنطقة. إنه الانعكاس الحقيقي لهذه الخيالات الدينية المتطرفة، وأطماع مجرمي الحرب النازيين الجدد، في هذا الكيان الفاشي، المتجذرة في الأوهام التوسعية، لهذا التحالف الخبيث بين المسيحية والصهيونية.

القس المسيحي الأمريكي “جون هاغي” الذي يرأس منظمة “مسيحيون متَّحدون من أجل إسرائيل”، والتي يبلغ عدد أعضائها 10 ملايين عضو سنة 2022م، وهي من أكثر المنظمات تأثيرًا في السياسة الأمريكية، ومن أهم حلفاء إسرائيل فيها، قد صرَّح خلال هذه السنة 2024م بأنَّ الدولة الموعودة لإسرائيل في العهد القديم لا تشمل فلسطين فقط، وإنما تمتد أيضًا لتشمل كلَّ لبنان وسوريا والعراق والكويت والأردن، وخُمس مساحة مصر، وثلاثة أرباع مساحة السعودية.

ومنذ سنة 1948م وهذا الكيان الغريب عن المنطقة لا يملك أسس الدولة المعاصرة، ومنها: الحدود الرَّسمية والنهائية، فأمريكا المنتصرة في الحرب العالمية الثانية سنة 1945م فرَضَت على الأمم المتحدة القبول بعضوية إسرائيل فيها سنة 1949م وفق ثلاثة شروط، وهي: (عدم المساس بوضع القدس، السَّماح بعودة العرب الفلسطينيين إلى أرضهم، واحترام الحدود التي عيَّنها قرارُ التقسيم)، ومع ذلك صرَّح “بن غوريون” سنة 1953م بقوله عن قرار التقسيم: “إنَّ دولة إسرائيل تعتبر قرار الأمم المتحدة الصادر في 29 نوفمبر 1947م باطلاً ولاغيًّا”، وبالتعريف السياسي للدولة فإنَّ إسرائيل ليست دولة، لأنها لم تلتزم بهذه الشروط، ولا تملك دستورًا، ولا تُعرَف حدودُها النهائية إلى الآن، إلاَّ أنَّ ذلك مقصودٌ منها، لقوله أيضًا: “نحن في حاجةٍ إلى دولةٍ حركيةٍ مهيَّأةٍ للتوسُّع”، وقد صرَّح وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، الجنرال “موشي ديان” (1915م – 1981م) سنة 1967م: “إذا كنَّا نملك التوراة، ونعتبر أنفسنا شعب التوراة، فمن الواجب علينا أن نملك جميع الأراضي المنصوص عليها في التوراة”، وقد تمَّ اغتيال رئيس الوزراء الصُّهيوني الأسبق “إسحاق رابين”(1922م – 1995م) سنة 1995م بفتوى يهوديةٍ دينية، بعد توقيعه على اتفاق أوسلو سنة 1993م، وتنازله عن “أرضٍ يهوديةٍ” بزعمهم، وهي (غزة وأريحا).

إنَّ تصريحات مجرم الحرب “نتنياهو” المتكرِّرة حول “إسرائيل الكبرى” و”الشرق الأوسط الجديد” باتت واضحةً بأنَّ طموحاته المجنونة تتجاوز حدود هذه الصراعات التقليدية الظاهرة، وأنه في سباقٍ محمومٍ مع الزمن لتحقيق هذه الأهداف التي لم تعدْ خفيَّة. إنَّ محور المقاومة في المنطقة هو الذي أصبح يشكِّل تهديدًا حقيقيًّا ووجوديًّا أمام هذه الأوهام من الجغرافيا الدينية لإسرائيل الكبرى، وهي وحدها الآن التي استطاعت أن تضع هذا الكيان اللقيط وهذه الأيديولوجية الصهيونية الدينية التي يستند إليها في المأزق الاستراتيجي الخطير، على كافة المستويات السياسية والعسكرية والأمنية والقانونية والأخلاقية والإنسانية، والواجب على الأنظمة العربية والشعوب الحرة أن تقف مع محور المقاومة، وأيُّ انتشالٍ لهذا العدو الصهيوني من المأزق هو الخطأ الاستراتيجي الذي يهدّد الأمن والسِّلم العالميين.

نحن أمام لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة، والتي هندست حقائقها “معركة طوفان الأقصى”، من أجل القضاء على هذه الجغرافيا التلمودية لإسرائيل الكبرى في مهدها، قبل أن تعيد رسم خريطة المنطقة وفق أوهامها الدينية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!