-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جمعة التنفيس

الشروق أونلاين
  • 948
  • 0
جمعة التنفيس

منذ أكثر من 18 سنة، لم يخرج الجزائريون إلى الشارع للتعبير عن رغبتهم في التغيير والإصلاح، لكن يوم الجمعة 22، كان يوما آخر.. حراكٌ سلمي، بتعاون أمني وكأنَّنا في انتخابات مساندة منظمة بحس مدني عالي المستوى. كنا نخشى أن تخرج عن السيطرة، لكن التأطير السلمي للمتظاهرين وقوات الأمن غلب في الغالب وأفشل احتمال الخروج عن السلمية. غير أن الكل يتساءل اليوم: ماذا بعد؟ ماذا يخبِّئه لنا القدر؟ تخوُّفٌ وتوجُّس شعبي وطني من الغلاء وأيام صعبة تنتظره قد تُخرجه عن أطواره إن لم نكمل الإصلاحات.. لكن ليس على ظهر الشعب الذي كلّ وملّ.
أفقت، لأجد البلد قد تغيَّر بين عشية وضحاها، هل أنا “منتشٍ” بأقراص الإكستازيا أم بخمور “الأندرينا” حتى أرى هذا التحوُّل العجيب؟! الشعب الجزائري، صار كله مبرمجا إلكترونيا من خلال شريحة زُرعت له تحت جلد الرأس.. شركة وطنية محلية في البرمجيات هي التي تولت ربط “شبكة الشعب” بحاسب مركزي إلكتروني عملاق وكل مواطن صار مضبوطا بشريحة تنقل أيّ معلومة يقوم بها، إلى الجهاز المركزي. الأكثر من ذلك، أن المواطن صار يدفع ثمنا عن كل زفير وكل شهيق، بمعدل دينار لكل لحظة تنفُّس، ما جعل المواطن بعد شهر يلمس خصما من مداخله في المصارف والبنوك والبريد لا يقلُّ عن سعر استهلاكه للكهرباء. لمست هذا من خلال وقوفي على الوضع في نهاية الشهر، لأنه في دقيقة واحدة، رأيت العام يمرّ كأني أقرأ المستقبل، بل أراه!
الزفير والشهيق، صار يعدّ بالوحدات.. الكلام أيضا صار المواطن يدفع عليه فلوسا، اللي يهدر بزاف، يخلَّص بزاف. الكلمة الواحدة تُعدّ “إينيتي”، انتهى زمن “تشراك الفم” والثرثرة وحديث المقاهي المجاني.. لا مجانية بعد اليوم، لا في التنفس ولا في الكلام ولا حتى في الذهاب إلى المرحاض.. كل ما تقوله أو تتنفسه أو تُدخله أو تُخرجه، تخرج عليه إتاوة “طاكس”، تُخصَم مباشرة من حسابك وإن انتهى مخزونك المصرفي يُحسَب عليك دينا، إن لم تدفعه في أجل 3 أشهر تدخل السجن؛ السجن بلا ماء ولا أكل ولا شراب، ما يعني الموت بعد 40 يوما.. لهذا فُتِحت أفران لحرق الجثث حتى لا تضيع الأراضي في المقابر وهذا بعد صدور قانون برلماني يمنع إنشاء مقابر جديدة، وبيع كل مقبرة زاد عمرها عن 50 سنة إلى الخواص من أجل إنشاء مستثمرات زراعية وصناعية وخدماتية وملاه ليلية وأحياء لبقايا الأموات!
وجدت نفسي من حيث لا أعرف، أقف مع الآلاف من المواطنين الذين جاؤوا للاحتجاج على فواتيرهم الإلكترونية التي يمكن قراءتُها وطباعتُها من خلال “البلوتوت” المربوط بالشريحة المسماة “MN” (منكر ونكير). وتعالى لتسمع الهمّ: هذا يقول لك: والله ما فتحت فمي إلا كل 3 دقائق فسجلت “لابيس” عليَّ أكثر من ذلك! واحد آخر قال لهم: أبي مات بعدما كتم أنفاسه لكي لا يدخل السجن لأن رصيده البنكي كان منتهيا، فمات فجاءت الفاتورة بأنه كان “يتنفس الصعداء”! واحد آخر راح يحتجّ: أنا لم أدخل المرحاض منذ 4 أيام، مع ذلك سُجلت عليّ إتاوة بألف دينار.. كانوا يتكلمون أكثر بالإشارات “يبيبيوْ” حتى لا تضيع أموال الهدرة في الفراغ، والبعض كان يقسم أنه سينزع “لابيس”، ويموت وبحر عليه، الموت حيا ولا الحياة ميتا!
وأفيق شبه مختنق.. لقد قطعت أنفاسي حتى إني انفجرت وأنا أستيقظ بدفع من زوجتي: نووض.
الحمد لله كان مجرد كابوس وليس مدفعا..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!