-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جنون…!

جنون…!

أفضلنا اليوم، والأقدر على إبقائنا متمسِّكين ببعض الأمل، هم أولئك الذين مازال بإمكانهم تفادي الكثير من مظاهر الجنون التي أصبحت تزحف على مجتمعنا.. مِن جنون العقل إلى جنون الأسعار، مرورا بجنون القوة والعظمة والمال والسلطة، دون نسيان جنون سياقة السيارات…
وعلينا أن نُنَوِّه بهؤلاء بدل أن نقع في جنون وصف الجميع بالجنون.. علينا أن ننظر إلى تلك الغالبية من الناس التي مازالت، رغم كل ضغوط الحياة، تحافظ على هدوئها ورصانتها.. أن نستثمر فيها ونمنع عنها آثار موجة الجنون، بدل بقائنا مُلتَفِتين فقط إلى مَن هم في واقع الأمر مرضى المجتمع والمنحرفين والمجرمين.
إننا نكاد نسلك الطريق الخطأ في التربية وعلاج الآفات بما نزرع في الناس من خوفٍ ورعب وحديث عن نهاية الخير وانتصار الشر عليه.
صحيح إننا بحاجة إلى إدانة الجريمة، والتنديد بكل جنون مهما كان مصدره، ومِن واجبنا أن نقف إلى جانب مصالح العدالة والأمن بمختلف فروعه لمواجهة التفاقم المستمرّ لهذه الآفات، وعلى باحثينا في مختلف التخصصات البحث عن الأسباب والمسببات واقتراح أشكال العلاج المختلفة، ولكن كل هذا ينبغي ألا يمنعنا من الإشادة بمختلف المظاهر السليمة في مجتمعنا، وبالغالبية الساحقة من المجتمع التي مازالت متمسكة بقيم الأخلاق والتربية الحسنة وتمتنع عن ركوب موجة الجنون مهما كانت. لا جنون عقل ولا جنون سلطة ومال…
أليس من واجبنا أن نحَدِّث بالكثير من مظاهر التآخي والتعاون والتآزر والابتعاد عن “الجنون” في هذا الشهر الفضيل، بدل أن يكون موضوعنا الأول والأخير هو الجرائم والتحايل والجشع والطمع والنفاق؟ أليس من واجبنا الإشارة إلى الغالبية من الفقراء المتعففين، والتجار النزهاء، والساقة الهادئين، والدعاة إلى الحكمة وتحكيم العقل في أكثر من موقع وبالنسبة لأكثر من واقعة بما في ذلك تلك المتعلقة بجنون السلطة والمال والعظمة؟
كم من برنامج إعلامي خُصِّص لهؤلاء؟ وكم من مكافأة خُصِّصت للنزهاء في جميع الميادين على حساب اللصوص والمنافقين والمجرمين والممارسين للعنف بمختلف أشكاله؟
إننا بحق في حاجة إلى مراجعة أنفسنا في هذا الجانب، وطرح أكثر من سؤال عن منهجية تعاملنا مع المجتمع؟ وعن السياسة الإعلامية المُتَّبَعة في ذلك؟ وهل نحن بصدد المساهمة في علاج هذا المجتمع عندما نُبرز وبشكل مُثير ومُبالغ فيه أحيانا كثيرا من مظاهر الجنون التي يعرفها؟ أم نحن بصدد إلحاق الضرر بأنفسنا من حيث لا ندري وتقديم خدمة مجانية لمحترفي الجنون لتبرير جرائمهم وطبائعهم الشاذة مادام المرض لا يخصُّهم وحدهم، بل هو آفة عمَّت كل المجتمع وهم ليسوا سوى ضحايا؟
أليس أفضل تبرير لكل مَن مَسَّهم نوعٌ من الجنون أنهم يعيشون في مجتمع مجنون؟
هل مِن صناعة الأمل في شيء، أن نُعينهم على ذلك؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • حسام

    نعم هل هناك مجنون أكثر من ولد عباس وسيدهم السعيد ومن يدورون في فلكهم ؟ان هم ليسوا بالمجانين ادن فمن يستمع اليهم ويشاهدهم مثلي هم المجانين؟

  • العاقل في بلاد المجانين

    هذه القصة تحمل دلالات عميقةً.. ربما نضحك منها كونها جاءت بهذه الصياغة الطريفة إلا أننا لو تأملنا واقعنا لوجدنا أنها تلخص حقيقةً اجتماعيةً راسخةً في حياة البشر، فمقياس الصحيح والخاطئ في حياة البشر ليس هو الحق المجرد أو الباطل المجرد بل ما اعتادوا عليه ، فما ألفوه من أوضاع هو عين العقل والصواب والحكمة وما لم يألفوه فهو الجنون والضلال والفساد.. ( تابع للتلعليق رقم 1و2 تتمة القصة التي لم تنشر كاملة فالحقيقة انا استغرب فالكل يعرف جبران خليل جبران صاحب الريشة الذهبية التي تخط سوى الذهب ..
    في حقيقة الامر انامله سحرية ...
    يعجبني كثيرا ترويضه للغة واستحضاره للمعاني ....

  • امير

    يبدو ان كاتب الموضوع قد اصابته نوبة جنون هو الاخر
    جنون الكتابة في كل شئ وهذا من جنون ذكائه ان تتظاهر بالجنون لتتمكن من الوصول الى المجانين ومن ثم معالجتهم
    ان مظاهر الجنون التي ذكرها الكاتب هنا لاتنفع معها رقية النصح ولاسحر الكلام وان كانت هناك رقية تنفعهم للشفاء من جنون الاجرام والتهور والمخدرات...الخ فهي رقية العصا لمن عصا عملا بقول الشاعر (دع عنك لومي فان اللوم اغراء ..وداوني بالتي كانت هي الداء)
    وهذه الرقية بيد السلطة وحدها وقد يرد علي الكاتب بان ماكتبه هنا قد يكون رقية نافعة لهذه السلطة عساها تشفى من جنونها ومن ثم تعالج ابناءها ..اعاذنا الله واياكم من كل مظاهر الجنون

  • مجنون

    كان في إحدى المدن النائية ملك جبار حكيم، وكان مخوفًا لجبروته محبوبًا لحكمته.
    وكان في وسط تلك المدينة بئر ماء نقي عذب، يشرب منها جميع سكان المدينة من الملك وأعوانه فما دونه ،لأنّه لم يكن في المدينة بئر سواها.
    وفيما الناس نيام في إحدى الليالي جاءت ساحرة إلى المدينة خلسة ، وألقت في البئر سبع نقط من سائل غريب وقالت:
    " كلّ من يشرب من هذا الماء فيما بعد يصير مجنونًا."
    وفي الصباح التالي شرب كل سكان المدينة ، وجنّوا على نحو ما قالت الساحرة. ولكن الملك والوزير لم يشربا من ذلك الماء.
    وعندما بلغ الخبر آذان المدينة طاف سكانها من حي إلى حي ومن زقاق إلى زقاق وهم يتسارّون قائلين: