جهيزة تقطع قول كل “خاطب”
ماذا ينتظر الشعب الجزائري اليوم بعد هذا الخيار الاستفتائي الإيجابي؟ كل على مختلف مشاربه يتطلع، مصدقا أو مشككا، متفائلا أو متشائما، الكل يتطلع إلى تغيير حقيقي في الذهنية السياسية أوَّلا، ثم عبر الممارسة التي من شأنها تكريس شعار “دولة القانون” حقا وفعلا، عملا وقولا، لا شعارا أجوف لاكته الألسنة منذ الاستقلال.
نوفمبر هذه السنة، لن يكون كباقي الفواتح من هذا الشهر، لأن السلطة عازمة، إلى حد الآن، على القطيعة مع ممارسات الماضي، ولكن ليس بالطريقة التي يراها البعض في المعارضة اليسارية والإسلامية على حد سواء. “القطيعة المستمرة”.. لا “القطيعة الواترة”، التي تقطع الحبل السُّرِّي مع الماضي بكل إنجازاته وإخفاقاته، بكل ما يحمل الماضي السياسي والاجتماعي الجزائري المتصل الحلقات، المتباين والمتداخل في التداخلات نفسها.. القطيعة المستمرة، التي تعني التغيير المستمر الممتد، المحافِظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي ضمن سيرورة التغيير المنهجي المستمر الحلقات في الزمن والمكان. هذا هو التغيير الذي يؤسس للجزائر الجديدة والذي يبدأ العمل به من اليوم ولا ينتهي في زمن محدد، لأن المآلات لا حدود لها، وآمالنا لا سقف لها وتطلعات الشعب لا يمكن قياسُها بزمن أو تاريخ: الكل يريد التغيير، لكن كلٌّ على شاكلته، لكن الطريق الأضمن للتغيير هو النية الصادقة والحسنة والمواصلة والمثابرة وعدم عرقلة حركة عجلة التغيير وقاطرة التحويل.
لقد بدأنا التحول بعد الإطاحة بنظام العهدات المتواصلة، وزدنا من وتيرة التغيير عبر الصمود في وجه رياح الانتقال غير الدستوري، انتقال لم يكن سهلا ولا مقبولا من الجميع، ومورست ضد السلطة القائمة، مختلف الضغوط الدولية وعبر الشارع الذي تحرك ليغير متجه حراك الأميال الأخيرة التي كان يراد منها الدخول في أتون مرحلة انتقالية غير دستورية من شأنها أن تعصف بكل الماضي السياسي للجزائر، سالبه وموجبه، والعودة بنا إلى صائفة 62، عبر الدعوة إلى مجلس تأسيسي وفتح النقاش على مصراعيه أمام سؤال الهوية الجزائرية من جديد، حتى لا نخرج منه من جديد. لكن الحكمة والإصرار السياسي لقيادة الجيش الوطني الشعبي التي آلت على نفسها أن تعيد للشعب الجزائري صوته ومكانته وتعيد للجيش روحه الشعبية وعلاقته التاريخية الحميمية بهذا الشعب الملتحم مع جيشه أيام ثورة التحرير، ليصبح هذا الجيش اليوم “ذاك الشبل من ذاك الأسد”، بعد أن كاد لنحو 40 سنة أن يفقد روحه الشعبية ويتحول إلى آلة بأيدي قيادات “دفعة لاكوست”، تمارس السياسة خلف البذلة الكاكية، وترى في الشعب مجرد كمشة من”الأنديجان”، لا يفهمون ولا يستحقون الحكم ولا ممارسته.
اليوم، وبعد إنهاء حكم العصابة ونجاح الدولة بكل ركائزها، لاسيما الجيش الوطني الشعبي وقياداته الوطنية، عبر حَراك وطني قاد إلى إنهاء حكم رجالات فرنسا في هذا البلد وإلى التخلي عن سياسة بيع البلد ورهن ثرواتها ونهبها وتحويل كل القرار السياسي من الكيدورسي إلى المرادية، كل هذا كان بداية إعلان لتغيير أزعج فرنسا وأبناءها، الذين لا يزالون يعملون على منع أي تحول بهذا الاتجاه.. بكل ما أوتوا من قوة و”رباط جحش”..
التغيير القادم، هو تغييرٌ حاسم، لأنه يحضِّر لنهاية الجيل الثاني للثورة.. والشروع بداية من 2030، في حكم جيل وطني جديد، لن يكون فيه لفرنسا وداعميها وأتباعها هنا، أي قوة.. إذا عرف الشعب وأحزابه الوطنية والإسلامية كيف يتصدون لمحاولات العودة إلى الخلف عبر عرقلة مسارات التنمية وإستراتجية التحول الشامل.