جودة حياة الجزائريين.. متاع بمقاييس
أدرجت الجزائر، ولأول مرة، وزارة جديدة تعتني بجودة الحياة، وهو الأمر الذي رحب به خبراء ومختصون واعتبروه بادرة خير وسعي حقيقي من الحكومة لتحسين حياة المواطنين والرقي بهم في العديد من الجوانب المعيشية وجعلها أكثر جمالية، ورغم الجدل الذي صاحب استحداث وزارة للبيئة وجودة الحياة، على مواقع التواصل، وتضارب الآراء حول واقعية تحقيق هذا المفهوم على أرض الواقع، حاولت “الشروق” تحديد المقاييس التي من خلالها يمكن تحسين جودة الحياة للجزائريين، من خلال استنطاق خبراء ومختصين في علم النفس والاجتماع والإحصاء وسبر الآراء، الذين أجمعوا على بعض المقاييس التي يجب أن تتوفر لتحسين نمط حياة المواطنين.
بدأنا موضوعنا ببحث صغير لمحاولة تحديد مفهوم جودة الحياة، الذي أقيمت حوله العديد من الدراسات والتصنيفات والمقاييس التي تختلف من بلد لآخر ومن مؤسسة لأخرى، غير أن بعض التعريفات تتفق على أن جودة الحياة يمكن أن تختلف حسب الأولويات والتجارب الفردية، ولكنها عادة ما ترتبط بمقدار السعادة والرضا الذي يشعر به الشخص في حياته اليومية.
وتعرّف منظمة الصحة العالمية جودة الحياة على أنها “إدراك الفرد لمكانته في الوجود، وفي السياق الثقافي الذي يعيش فيه ونظام القيم الذي ينتمي إليه وعلاقته بأهدافه، توقعاته، معاييره، وانشغالاته، ويتضمن هذا الإدراك مجالا واسعا ومعقدا من المفاهيم المتعلقة بالصحة الجسمية للفرد وحالته النفسية، درجة استقلاليته، علاقاته الاجتماعية، معتقداته الشخصية، وعلاقته بخصائص بيئته”.
إذا قمنا بتحليل تعريف المنظمة الصحة العالمية لجودة الحياة سوف نجده يبدأ بعملية إدراك، وهذا يعني أن جودة الحياة تعتمد على تقييم الفرد لحياته تقييما ذاتيا كما يراها ويعيشها هو وليس كما يراه الآخرون، مع ذلك، فهو مبني على مؤشرات موضوعية ولا تشمل المعايير القياسية لجودة الحياة، الثروة والتوظيف فقط، وإنما أيضا كلا من البيئة الثابتة، والصحة الجسدية والعقلية، والتعليم، والاستجمام ووقت الفراغ، والانتماءات الاجتماعية.
لهذا تم إقران جودة الحياة بوزارة البيئة
ترتبط جودة الحياة والبيئة بعلاقة وثيقة جدا، وهذا ما جعل الجزائر تقرن جودة الحياة بوزارة البيئة، لأن البيئة هي واحدة من العوامل الأساسية التي تؤثر بشكل مباشر على رفاهية الأفراد والمجتمعات، من جوانب الهواء والماء النظيف والمساحات الخضراء والضوضاء والتلوث والتغيّرات المناخية والظواهر الطبيعية، وسبق في هذا الإطار لوزير البيئة وجودة الحياة، نجيبة جيلالي، أن أكدت أن جودة الحياة، تشير “إلى مجموعة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، التي تتيح لكل مواطن جزائري، أن يعيش حياة كريمة ومزدهرة وعادلة”.
وأردفت الوزيرة، أن هذه الظروف “هي ناتجة كذلك عن السياسات العامة التي تهدف إلى توفير إطار معيشي لائق، لضمان الوصول الشامل للحقوق الأساسية، المكفولة في الدستور، من الصحة، التعليم، السكن، العمل، النقل، الأمن، الثقافة، البيئة، وضمان العدالة الاجتماعية وتعزيز التنمية المستدامة”، كما تعتمد جودة الحياة، حسب جيلالي، على “قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين الموارد، وتقليص الفوارق وحماية البيئة، مع تلبية تطلعات المواطنين نحو مستقبل مزدهر”.
هكذا تؤثر البيئة على جودة الحياة
وفي هذا الإطار، أكد الأستاذ الجامعي في علم الاجتماع، يوسف حنطابلي، أن ربط جودة الحياة بالجانب البيئي له دلالة تتجلى في تأثير البيئة بمفهومها الطبيعي والمادي أكثر من دلالاتها الاجتماعية.
وأردف حنطابلي في تصريح لـ”الشروق”: “عندما نتكلم عن البيئة، نقصد ظروف العيش في وسط خال من التلوث وتتوفر فيه ظروف صحية ملائمة للمواطن، ونحن نعرف أن التلوث له دلالة لها علاقة بالتلوث البصري والسمعي وحتى الذوقي، وهذا يتجلى في الأوساط الحضرية والسكانية الكثيفة حيث يظهر فعل الإنسان في طريقة تعامله مع المحيط البيئي الطبيعي، وكذلك قدرته على توفير محيط يوفّر الراحة النفسية والاجتماعية للساكنة من خلال إنشاء المساحات الخضراء وتهيئة الشوارع الخالية من السيارات داخل المدن وتوفير جو ملائم للحياة المشتركة”.
البيئة الاجتماعية الأكثر تأثيرا على الشباب
وأضاف محدثنا، أن البيئة الاجتماعية هي المعطى الأكثر تأثير في الراحة النفسية للفرد حيث تجعله يعيش في وسط يجلب له السعادة من دون الشعور بالنفور من الآخر، وهذا لا يتأتى إلا بخلق فضاءات التعارف البنّاءة داخل الأحياء والأوساط الحضرية مما جعل علماء الاجتماع يربطون بين الفضاء العام ومبدأ التعارف والتواصل لجعل تفكير المواطن إيجابي.
وقال حنطابلي: “نحن نسمع في بعض الأحيان وهذا قد يكون جديدا عند شبابنا أن ما يجعله يشعر باستياء في محيطه الاجتماعي ويفكر في الهجرة و”الحرقة” هو نمط العيش le mode de vivre، وهنا يكون للبيئة وقع إيجابي على الفرد شريطة أن تكون وفق مقاربة متكاملة تحمل كل الأبعاد الحياتية”.
من هنا يبدأ تحدّي تحسين جودة الحياة للمواطنين
وبدوره، أكد الأستاذ البروفسور في علم النفس الاجتماعي، أحمد قوراية، أنه لا يمكن الاعتماد في جودة الحياة على مجال واحد فقط وإهمال الجوانب الأخرى، لأن الأمر يتعلق بحياة المواطن في مختلف النواحي، وأضاف أن استحداث وزارة تعتني بجودة الحياة يعني العمل على تحسين الظروف المعيشية للجزائريين، بطريقة راقية ونقية وصافية تنعكس على الحياة الصحية للمجتمع وتتيح الراحة والطمأنينة والشعور بالرضا عند الأفراد بعيدا عن المعاملات البيروقراطية التي تهين المواطن وتحط من كرامته، “فلا وجود لجودة الحياة بدون تكريس العدالة الاجتماعية وضمان الحريات الفردية يشعر فيها المواطن بكرامته النفسية، ويمارس مواطنته بكل طمأنينة بعيدا عن التوتر والخوف”.
ضرورة تحسين القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية
وشدّد قوراية، أنه لا يمكن الحديث عن تحسين جودة حياة المواطنين من دون رفع القدرة الشرائية التي تعتبر، حسبه، المقياس الأول لتحسين الظروف المعيشية في بلادنا، والعامل الثاني يتعلق بتحقيق العدالة الاجتماعية التي تمنح المواطنين إحساسا أنهم سواسية أمام القانون وفرص العمل وتحسين الدخل بعيدا عن الاضطهاد والفساد والمحاباة والمحسوبية، والمقياس الثالث والمهم، حسب محدثنا، هو ضمان الحريات الفردية أين يشعر المواطن أنه غير مقيّد بعيدا عن الشعور بالخوف والرهبة التي تجعله يعيش مضطربا ومرعوبا.
وختم محدثنا كلامه، بأن جودة الحياة تتيح للمواطن أن يعيش بأريحية نفسية ومادية، تجعله يهتم بساعات العمل وبعدها يهتم بأسرته وهواياته بعيدا عن الضغوط والأزمات التي تجعله يعيش متوترا.
تصنيفات عالمية ومقاييس متباينة
ومن جهته، أكد البروفسور المختص في الحوكمة وسبر الآراء، عمران بشراير، أن هناك أربعة تصنيفات حول جودة الحياة والقابلية للعيش،أولها مؤشر عالمي صادر عن مؤسسة، يضم 140 مدينة في العالم الأحسن في جودة الحياة، والمؤشر الثاني هو مؤشر “مارسر” لجودة الحياة يضم 231 مدينة لأن هناك مؤشرات وتصنيفات تتعلق، حسبه، بالدول وأخرى بالمدن، ويخص التصنيف الثالث مؤشر السعادة العالمي الذي يضم 155 دولة، وآخر تصنيف يخص منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لجودة الحياة، والذي يعتمد على العديد من المؤشرات على غرار الأمن، الصحة، الوظائف، التعليم، السكن، البيئة، العمل، النقل، التلوث، مستوى الرضا، الدخل، المشاركة الاجتماعية والتوازن في الحياة.. وهي، حسب البروفسور بشراير، مؤشرات تجمع بين جودة الحياة والقابلية للعيش والتي تتيح تصنيفات سنوية لأحسن البلدان والمدن عالميا في هذا الإطار وتعتمد أغلبها على 10 و12 مقياس ومتغيّر نسبي يختلف بين البلدان وحتى الأفراد.
هكذا تحدّد مؤشرات وأولويات جودة الحياة
وكشف محدثنا، أنه في إطار اختصاصه، قام بالعديد من الاستبيانات وسبر الآراء مع مؤسسات جزائرية بالتنسيق مع شركات عالمية معروفة، وبخصوص جودة الحياة في الجزائر، يمكن، حسبه، تحديد أولوياتها من خلال استبيانات رقمية توزّع على المواطنين تعتمد فيها على العديد من المؤشرات التي يمكن أن تقيس نسبة رضاهم، كما يكمن للمواطن أن يقترح مؤشرات ومقاييس أخرى لم يتم تحديدها، لأن المواطن، حسبه، هو من يحدّد أولوية جودة الحياة حسب احتياجاته والمحيط الذي يعيش فيه.
وعموما، يضيف مصدرنا، أنه يمكن تحديد مؤشرات القابلية للعيش وجودة الحياة في الجزائر وحتى في بلدان أخرى، على ثماني نقاط أساسية وأربعة تكميلية، وبالنسبة للمقاييس الأساسية، فهي تقوم على القدرة الشرائية ومستوى دخل الفرد في المجتمع والتي تعتمد عليها أهم المقومات في العديد من التصنيفات والمجتمعات، فمستوى الدخل المرتفع يتيح للمواطن تحسين حياته في العديد من الجوانب، والعامل الثاني يتمثل في التلوث وجودة المحيط، فغياب هذا المقياس يجعل الفرد يعاني من ضغط واضطراب وتلوث نفسي وبصري، والمؤشر الثالث، حسب محدثنا، يعتمد على سعر السكنات مقارنة بمدخول الفرد، فافتقاد الفرد لسكن خاص يجعله يعاني من مشاكل تتعلق بعدم الاستقرار وصعوبة بناء أسرة، أما المقياس الرابع، فيخص تكلفة المعيشة التي تحدّد أريحية الفرد في الحياة ومدى قدرة راتبه الشهري على تأمين حاجياته الأساسية والقسط الذي يوفره لممارسة هواياته ورحلاته الأسرية.
وبالنسبة للمقاييس الأخرى، أضاف البروفسور عمران بشراير، أن العامل الخامس يعتمد على الأمن والمؤشر السادس يقوم على سهولة التنقل وجودة المواصلات والبنى التحتية والمقياس الثامن يتضمن جودة التعليم بالإضافة إلى الرعاية الصحية والمقاييس التكميلية الأخرى تقوم على الترفيه والتراث والثقافة والتي تختلف من دولة إلى أخرى والتي تمكّن الفرد من حضور المسارح ودور السينما والقيام برحلات سياحية والمشاركة الاجتماعية التي تعمل على تعزيز التفاعل بين أفراد المجتمع والإحساس بالانتماء.
وفي الأخير، قال البروفسور بشراير، أنه يمكن عرض جميع هذه المؤشرات على المواطنين وهم من يحدّدون الأولوية التي تركّز عليها الحكومات في تحسين جودة الحياة.