-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

جيوبوليتيك الطاقة والحرب الإيرانية..

جيوبوليتيك الطاقة والحرب الإيرانية..

تفرض الطاقة جغرافيا غير متماثلة وغير متساوية؛ حيث تقع أضخم احتياطيات النفط والغاز بعيداً عن مراكز الاستهلاك، مما حوّل تأمين الإمدادات من حاجة اقتصادية إلى عقيدة عسكرية للدفاع عن الأمن الحيوي الطاقوي، لا تقبل المساومة. منذ حرب النفط عام 1973 واستخدام الدول العربية لأول مرة النفط كسلاح في وجه الغطرسة الاسرائيلية والدعم الامريكي؛ لم يعد يُنظر للنفط كأداة اقتصادية بل امتدت ليُعرف كسلاح بامكانه اشعال أو انهاء الحروب، بذلك لم تعد السيادة العالمية تُكتسب بالتوسع الجغرافي فحسب، بل بالسيطرة على آبار الطاقة؛ فالدبابة بلا وقود هي مجرد قطعة حديد، والاقتصاد بلا غاز هو جثة هامدة.
من هنا يبرز التساؤل: في خضم تداعيات الحرب على إيران، وبالأخص في مضيق هرمز؛ هل نحن بصدد عملية عسكرية تقليدية لتأمين موارد طاقوية في سياق حرب قائمة، أم أن النفط هو الغاية والمفجر لهذه الحرب؟ وهل تعكس المواجهة الحالية استراتيجية أمريكية كبرى لكسر “محور الشرق” عبر السيطرة المطلقة على أهم معبر حيوي للطاقة في العالم؟

الطاقة كمنطلق للاستقرار والوحدة الأوروبية

قبل بزوغ عصر النفط، كان الفحم هو الطاقة الأولى والمحرك الوحيد للاقتصاد والقوة العسكرية في العالم. فمن رحم مناجم الفحم ولدت النهضة الصناعية الأوروبية؛ حيث كان الفحم يغطي أكثر من 90% من احتياجات الطاقة في دول مثل بريطانيا وألمانيا وألمانيا وفرنسا حتى أواخر القرن التاسع عشر.
لم يكن الفحم مجرد وقود، بل كان العصب الذي مكّن القارة من تشغيل المحركات البخارية، وتطوير السكك الحديدية، وبناء الأساطيل البحرية، مما حول أوروبا من مجتمعات زراعية إلى قوى صناعية عظمى انطلقت لتستعمر العالم.
لم تكن نشأة “الاتحاد الأوروبي” لاحقاً إلا محاولة لإدارة هذه القوة. فقد قامت “الجماعة الأوروبية للفحم والصلب” عام 1951 كأول لبنة للاتحاد بهدف نزع فتيل الصراع بين فرنسا وألمانيا عبر تحويل السيادة على الفحم والصلب إلى سلطة عليا مشتركة. كان المنطق الجيوبولتيكي واضحاً: بما أن الفحم هو الطاقة اللازمة لصناعة السلاح وتشغيل المصانع الحربية، فإن وضعه تحت إدارة جماعية يجعل خوض الحرب بين القوى الأوروبية أمراً مستحيلاً مادياً.
وهو ما يؤكد أن الطاقة كانت العقد الاجتماعي الأول الذي بُنيت عليه القوى الكبرى؛ فالفحم الذي أطلق شرارة النهضة الصناعية هو نفسه الذي فرض ضرورة التكامل السياسي بإنشاء الإتحاد الأوروبي سنة 1993، مما أرسى قاعدة ثابتة في الجيوبولتيك: السيطرة على مصدر الطاقة هي الضمانة الأولى للأمن القومي والنهضة الاقتصادية.

جيوبوليتيك المضائق والممرات (من جيوب الإنتاج إلى أروقة الاستهلاك)

تتشكل الخارطة الطاقوية المعاصرة من مثلث غير متكافئ الأضلاع: منابع تتركز في جيوب جغرافية محددة، ممرات مائية حرجة، وقوى صناعية كبرى تعيش على هاجس الانقطاع. يتركز أكثر من 48% من احتياطيات النفط العالمية في منطقة الشرق الأوسط، مما جعل الجغرافيا السياسية لهذه المنطقة قدراً للاقتصاد العالمي. لكن قيمة هذا النفط لا تكمن في تزخر به هذه المنطقة من احتياطي عالمي فحسب، بل في ما تحوزه من طرق وممرات عبور؛ حيث يمر نحو 60% من التجارة النفطية في العالم عبر البحر، وتحديداً عبر ثلاثة مضائق تحكم حركة التاريخ.
يُعد مضيق هرمز الشريان الأهم، حيث يتدفق عبره يومياً قرابة 21 مليون برميل، ما يمثل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط و25% من تجارة الغاز المسال. ومن مضيق هرمز، يتفرع التدفق في اتجاهين: شرقاً نحو مضيق ملقا، البوابة الكبرى التي تغذي الصين، المستهلك الأكبر عالمياً بنسبة 24%، واليابان وكوريا الجنوبية اللتين تعتمدان على هذا المسار بنسبة تصل إلى 90% من احتياجاتهما. أما الاتجاه الثاني فيسير غرباً عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس الباب الثاني للممر، وهو الممر الذي يربط نفط وغاز الخليج بأسواق أوروبا. يمر عبر باب المندب قرابة 9 ملايين برميل يومياً أي بنسبة 10% من السوق العالمية، مما يجعل استقرار هذا الممر والسيطرة على البحر الأحمر قضية أمن قومي للقارة العجوز التي لا تزال تعاني من تبعات الاعتماد على الطاقة المستوردة.
هذا التوزيع الجغرافي خلق تبعية متبادلة محفوفة بالمخاطر؛ فالصين تدرك أن أمنها الصناعي مرهون بمضيقي هرمز الذي يخضع للسيادة الإيرانية، وملقا الذي يقع تحت النفوذ الأمريكي، بالمقابل أوروبا تدرك أن أي توتر في باب المندب يعني قفزة فورية في تكاليف الطاقة، وبالتالي اسهال في ميزانياتها الطاقوية. أما الولايات المتحدة، فبصفتها ثاني أكبر مستهلك عالمي بنسبة 15%، يظل ارتباطها بهذا الهلال المائي استراتيجياً؛ فهي لا تسعى فقط لتأمين الأسعار داخل محطات وقودها، بل تفرض نفسها كشرطي ومدير للملاحة في هذه المضائق.

صدمة 1973 والتحول نحو استراتيجية الهيمنة الشاملة

شكلت صدمة أكتوبر 1973 المنعطف التاريخي الذي دفع الولايات المتحدة لتحويل تأمين الطاقة من ملف اقتصادي إلى قضية أمن استراتيجي مطلق. فبعد استخدام العرب للنفط كسلاح سياسي، أدركت واشنطن أن قطبيتها السائرة نحو الأحادية مهددة، حيث برزت عقيدة الرئيس جيمي كارتر عام 1980 في السعي إلى الهيمنة على منابع النفط، والتي شرعنت في عهد بوش التدخل العسكري في الخليج. ثم لم تكن التدخلات اللاحقة في عديد المناطق إلا محاولات لإحكام القبضة على جيوب الطاقة في العالم، وعلى مضائق وممرات عبوره:
* الكويت والعراق (1991 – 2003): استهدفت واشنطن في حربيها على العراق (تحرير الكويت 1991، غزو 2003)، وبذلك منع صدام حسين من الهيمنة على 101.5 مليار برميل من احتياطيات الكويت، ثم السيطرة 145 مليار برميل و هو خامس احتياطي عالمي، عبر غزو العراق. هذه السيطرة ضمنت لواشنطن التحكم في قرابة 14% من إجمالي النفط العالمي في قلب الشرق الأوسط.
* أوكرانيا وجيوبولتيك العبور (2022): تكمن الأهمية الجيوسياسية لأوكرانيا في كونها المنظم لتدفقات الغاز الروسي نحو أوروبا؛ حيث تمتلك شبكة أنابيب بقدرة تمرير تصل إلى 140 مليار متر مكعب سنوياً، وأضخم خزانات تحت الأرض في أوروبا بسعة 31 مليار متر مكعب. ومع توقف عبور الغاز الروسي تماماً في يناير 2025 وتدمير خطوط “نورد ستريم”، نجحت واشنطن في إحلال غازها المسال (LNG) كبديل استراتيجي، محولةً التبعية الطاقوية الأوروبية من موسكو إلى واشنطن.

* قناة بنما (2024) : يمثل التهديد الأمريكي باستعادة القناة رداً على نفوذ الصين وارتفاع رسوم العبور ضرورة استراتيجية؛ حيث يمر عبر القناة 6% من التجارة العالمية ونحو 25% من شحنات الغاز المسال الأمريكي المتجه لآسيا. توفر القناة مسافة 13,000 كيلومتر للشحنات، والسيطرة عليها تعني التحكم في “مفتاح العبور” بين الأطلسي والهادئ.

* فنزويلا (2026): يمثل التدخل الأمريكي الأخير في كاراكاس (يناير 2026) باختطاف الرئيس مادورو محاولة مباشرة للسيطرة على أضخم احتياطي نفطي في العالم (أكثر من 17% من الاحتياطي العالمي ، المقدر بـ 303 مليار برميل). تسعى واشنطن من خلال السيطرة على “الخام الثقيل” الفنزويلي إلى تغذية مصافيها في ساحل الخليج وخفض الأسعار العالمية إلى مستهدف 50 دولاراً للبرميل.
هذا التمدد الأمريكي عبر آسيا و أوروبا وأمريكا الوسطى يوضح أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على الهيمنة الكاملة على منابع الطاقة وممرات عبورها وخطوط نقلها، لضمان بقاء الولايات المتحدة هي “لمدير الوحيد لنظام الطاقة العالمي والمتحكم الأول في شريان حياة خصومها وحلفائها على حد سواء.

الحرب الإيرانية المواجهة الكبرى..

تحوز إيران على ثالث احتياطي عالمي من النفط ب 200 مليار برميل، وعلى ثاني احتياطي عالمي للغاز ب 34 تريليون متر مكعب، كما تمتلك موقعا استراتيجيا مميزا، خاصة بسيادتها على مضيق هرمز، وهو ممر بحري يقع بين إيران وسلطنة عمان، حيث يبلغ عرضه حوالي 60 كلم، بينما تشكل المنطقة البحرية القابل للملاحة حوالي 30كلم فقط، وهي بالكامل في الطرف الإيراني، وذلك بسبب وجود أرخبيل من قطع ونتوءات يابسة تمنع الملاحة في الطرف العماني. شكل المضيق من اليوم الأول للحرب نقطة تجاذب بين الولايات المتحدة المتزعمة الاعتداء وتكسير قدرات إيران النووية والباليستية ونظامها السياسي، وإيران المدافعة عن سيادتها، حيث اتخذت إيران من غلقه في وجه التجارة، والنفط بشكل أخص سلاح ردع للاعتداء الأمريكي الإسرائيلي وصل الصدام الجيوبولتيكي، بين طموحات الهيمنة الأمريكية وحق الدفاع الإيراني إلى مواجهة رئيسية في هذه الحرب؛ حيث تحول المضيق من ممر تجاري إلى ساحة حرب عسكرية واعلامية.
و رداً على الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت منشآت حيوية في جزيرة خارج، وهي احدى أهم المنافذ الإيرانية لتصدير النفط، أعلنت طهران “الإغلاق العملي” للمضيق، عبر زرع الألغام المائية وتكثيف هجمات الطائرات المسيرة والزوارق السريعة، وإصابة وإغراق عدة ناقلات نفط حاولت تحدي العبور، مما أدى لشلل تام في حركة أكثر من 1000 ناقلة منها أزيد من 300 لنقل النفط والغاز، وبذلك تعليق تدفق 21 مليون برميل يومياً.
هذا الانقطاع في شريان النفط والغاز، ارتد فوراً على الأسعار عالميا، فمع دخول الحرب أسبوعها الرابع بلغ برميل النفط 120 دولار بعدما كان قبلها ب 68 دولار، ومتوقع أن يصل إلى 200 دولار إن تواصلت الحرب، كما أن أسعار الغاز ارتفعت بنسبة 30%.. كما أن الأمر لا يتعلق فقط بالنفط والغاز، بل هناك بعض المواد المشتقة هي من الأهمية بمكان، وهي لا تنال حقها في الاهتمام الاعلامي، فبعض الغازات المصنعة بجوار تمييع الغاز الطبيعي تُستخدم بشكل أساسي في التكنولوجيا الدقيقة و بالأخص في صناعة أشباه الموصلات فائقة الدقة ( النانو تكنولوجيا) والتي تعتمد عليها الذكاء الاصطناعي بالكامل، من أهم هذه الغازات غازي الهيدروجين والهيليوم، هذا الأخير الذي لا تحوز منه الشركات في تايوان وهي من أهم الشركات في العالم في انتاج اشباه الموصلات، على مخزون يكفيها ل 10 أيام، حيث تقتنيه من دولة قطر عبر مضيق هرمز.. كما أن هذا التضخم ارتد إلى الداخل الأمريكي محدثا صدمة غير مسبوقة، قفزت فيها أسعار البنزين بنحو 40% في محطات التزويد الأمريكية، ولم يكن هذا الارتفاع مجرد أزمة اقتصادية يمكن أن تصنف بالعابرة، بل تحولت إلى تهديد سياسي داخلي للإدارة الأمريكية التي ترفع شعار “السيادة الطاقوية” وإلى ضغط خارجي دولي أمام حلفائها الأوروبيين (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) والآسيويين (اليابان وكوريا الجنوبية )، وهم جميعهم يُعدون مستهلكين أوائل للنفط، بل وخاضعين للاستهلاك النفطي.. مما دفع البنتاغون الأمريكي تحرك هو الأوسع منذ غزو العراق، وتحريك قطعه العسكرية عبر العالم لدعم تموضعه في هذه الحرب.

ويعكس هذا العزم الأمريكي على الاسراع في انهاء هذه الحرب مع بداية أسبوعها الرابع، قرار وزير الدفاع الأمريكي بنقل قوة استنفار تضم 5000 جندي من المارينز إلى منطقة الخليج. وإعلان أن هذه القوة تهدف إلى تأمين مرافقة ناقلات النفط، وفرض واقع ميداني يمنع إيران من استخدام سلاح المضيق لليّ ذراع الاقتصاد الغربي. إن هذه القرارات تؤكد أن واشنطن مستعدة لخوض مواجهة عسكرية مباشرة للهيمنة على إدارة جيوب وممرات النفط، ولضمان تدفقه نحو حلفائها. وبالمقابل ردت إيران بخطوة عسكرية اقتصادية أعلنت فيها على السماح لناقلات النفط بالعبور بشرط أن تكون دفعت ثمن النفط باليوان الصيني، وهي خطوة تحول دلالتين، الأولى امتنان للصين على دعمها السيبراني والتقني في هذه الحرب، وتوجيه ضربة للبترودولار وضغط أكثر على التكاليف الأمريكية في هذه الحرب.

وخلاصة القول، أن الطاقة وبالأخص النفط عبر التاريخ، لم يكن سلعة تجارية تنعش اقتصادات دول الإنتاج من جهة وتخلق فرص ربحية الدول الصناعية عبر التحويل من جهة ثانية، بل هو سلاح استراتيجي يملك قدرة الردع لصالح الدول المنتجة، قدرة خنق القوى الصناعية وإطلاق شرارة حرب عالمية.. وسواء انتهت هذه المواجهة بتسوية سياسية أو بتغيير جذري في النظام النقدي الدولي، فإن الحقيقة تظل ثابتة أن من يسيطر على الجيوب والممرات بامكانه أنيُخضع الجميع ويمسك بمفتاح القرار العالمي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!