-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حتى أوبك!

حتى أوبك!

مَنّ الله على الجزائر، في السنوات الأخيرة، بغيث مدرار من المديح بجمالها، بين من سمّاها “عملاق السياحة النائم” و”المتحف الطبيعي”، و”بلاد الفصول الأربعة في أربع ثوان”، وغيرها من كمال الأوصاف…

المديحُ الأخير بلغها من نشرية منظمة الدول المصدِّرة للنفط، التي أشادت في مجلتها الدورية، بما تكتنزه صحراء الجزائر من متاحف في الهواء الطلق، تروي حياة إنسان ما قبل التاريخ، معتبرة منطقة “تاسيلي ناجر” شاهدا فريدا على التاريخ والبيئة.

الواقعُ أن دخول مجلة منظمة “أوبك” على الخط، لتنبيه العالم إلى جمال “موناليزي” بقي خفيًّا، هو حلقة في مسلسل ترويجي للجزائر، لا تمتلك الجزائرُ يدا فيه، بدأ من الإعلام البريطاني والأمريكي، ولم يتوقف من المؤثرين العرب والعالميين الذين يبدو أنهم اكتشفوا عالما مختلفا عن بقية العوالم السياحية المعروفة.

نجحت الجزائر في السنوات الأخيرة في تحديات كانت تبدو مستحيلة خاصة في قطاعي الفلاحة والمناجم، وهي نجاحاتٌ فتحت الشهية وأكدت بأنها تتفتح أكثر مع الأكل؛ فبعد أن وصل القمح إلى صحراء الجزائر، تواصل النجاح في قطاعات هامة وإستراتيجية، مثل الزيوت والحليب، وبعد أن وُضع قطار الحديد على السكة، لحق به الفوسفات والزنك، ولا نظن أن رهان السياحة أصعبُ من بقية الرهانات، خاصة أن الجزائر بإمكانها أن تقدِّم سياحة متكاملة من شاطئية وحموية وجبلية ودينية وثقافية تهزُّ الدنيا.

لا يمكن أن يرتبط هذا الاهتمام بهذا الكمّ وبنوعية المهتمين الذين هم في الغالب من الدول العظمى، بالصدفة أو المجاملة، لأنَّ هذه المواقع والمجلات لا تتلاعب برصيدها المهني وبصدقها من أجل تزوير الحقائق، وكل المؤشرات توحي بأن العملاق قد صحا من نومه، وهو بصدد الاستمتاع بمديح التقارير السياحية العالمية، قبل أن يكرر نجاحاته في الفلاحة والمناجم والسياحة.

بعضُ التحفظ الذي يبديه بعض الجزائريين من السياحة، إنما وصل مع الرياح القادمة من ناحية الغرب، عندما ميَّع جار السوء السياحة وعجنها بما يرفضه المجتمعُ الجزائري من دعارةٍ وشذوذ، وهو تحفُّظ مبالغ فيه، لأن هناك تجارب سياحية محترمة في بلاد كثيرة ومنها الجارة تونس، التي استعادت عافيتها السياحية في الموسم الماضي، وفي بقية الدول المتوسطية جنوبا وشمالا التي أعلنت عن نفسها منذ عقود كوجهة لا يمكن للسائح أن ينساها.

في صحيفة منظمة الدول المصدّرة للنفط استُعملت كلماتٌ مدهشة وتوحي للمتابع أنه أمام أعجوبة عالمية ثامنة، مثل “شاهد فريد” و”فصل مهم من الإرث الإنساني” و”أكبر حديقة وطنية مفتوحة” و”أكثر الأرشيفات المفتوحة إثارة على كوكب الأرض”… وهي جُمل لا تُطلق إلا إذا كان صاحبُها قد بلغ مرحلة الهوس بجمال شيء ما.

الفارق بين الفتوحات الفلاحية والمنجمية التي باشرتها البلاد وقطاع السياحة، أنه في الأولى، بذل العقل الجزائري في صبر، تحدِّيه، ليضع قطاع الفلاحة والمناجم على السكة، لكنه في حالة السياحة، التقارير العالمية هي من وضعته، من دون أدنى بذل، على السكة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!