-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حتى لا تكون العطلة وبالا علينا!

سلطان بركاني
  • 371
  • 0
حتى لا تكون العطلة وبالا علينا!

من حقّ كلّ عامل أو ربّة بيت أو طالب علم، أن يرتاح بعد عام من العمل والجدّ والتّعب. ومن حقّ كلّ “مسلم” أن يجمّ فؤاده ويسلّي روحه في حدود المُتاح المباح؛ فأصحاب النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- كانوا رهبانا بالليل فرسانا بالنّهار، لكنّ ذلك لم يمنعهم من أن تكون لهم أوقات يروّحون فيها عن أنفسهم، يقول التابعيّ بكر بن عبد الله المزني -رحمه الله-: “كان أصحابُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يتبادَحون بالبِطِّيخِ (أي: يرمي بعضهم بعضا بقشور البطّيخ)، فإذا كانت الحقائقُ كانوا هم الرجال”.
تسلية النّفس حقّ، والاستفادة من عطلة سنوية مطلب ملحّ؛ لكنّ مشكلتنا في هذا الزّمان أنّنا لا نفهم من “العطلة” إلا العطالة الكاملة وتعطيل كلّ شيء وتجميد كلّ البرامج والانطلاق من دون أهداف ولا حدود ولا ممهّلات.. كثير من المسلمين أصبحت العطلة بالنسبة إليهم مرادفة لتعطيل كلّ الأعمال بما في ذلك الواجبات الدينيّة، وتعني أن يقضي العبد 3 أشهر كاملة من دون برنامج ولا هدف؛ سهرات وجولات وشواطئ ومآكل ومشارب وتخفُّف من اللباس من دون حدود أو ضوابط.. وهكذا حتى ينتصف شهر سبتمبر، فيجد العبد نفسه لم يجن من عطلته شيئا، غير ضيق شديد في داخله بسبب الأموال الكثيرة التي أنفقها والصلوات التي ضيّعها والأعمال الضرورية التي أجّلها وربّما الآثام التي جمعها!

هذه الحال لا تليق بعبد مؤمن يعيش وسط أمّة قوية عزيزة؛ كيف بمن يعيش وسط أمّة تعاني شتى صنوف الذلّ والهوان؟ كيف يصحّ لعبد أن يحرق ما يقرب من 100 يوم كاملة في الغفلة والتقصير وإهدار الأموال، وإخوانه في غزّة وتركستان والسّودان يعيشون صيفا كلّه مآس وآلام وجوع وتشريد وخيام؟
الراحة بعد عام من العمل مطلوبة، ولكنّ الراحة لا تعني أبدا إضاعة الصلوات وهجر القرآن والجمعة والجماعات، ولا تستلزم السّهر إلى ثلث الليل الأخير في حفلات الأعراس أو في متابعة المباريات، ولا التخلي عن الأخلاق والتحلّي بخوارم المروءة وكشف الأفخاذ والعورات على الشواطئ أو أمام بيوت الجيران.
الترويح عن النفس مطلوب، لكنّ العبد المؤمن يحرص على لزوم حدود دينه، ويحافظ على صبغة ربّه؛ فهو أينما كان وحيثما حلّ يستحضر رقابة خالقه، ويتجمّل بالحياء من مولاه. يستمتع بالتجوال والاستجمام مع أسرته، لكنّه لا يسمح للشّيطان بأن يسوّل له كشف فخذيه أو التخلي عن حجاب زوجته وبناته؛ فهو مسلم يلزم حدود ربّه على الشّاطئ كما يلزمها في البيت وفي الشارع وفي المسجد.. يوسّع لأبنائه بعد عام من الجدّ والاجتهاد، لكنّه لا يسمح لهم بأن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة فيسبحوا في أماكن خطرة أو في أوقات تكون السباحة فيها ممنوعة أو خطرة.. ربّما يسهر بعض الوقت مع زوجته وأبنائه، لكنّه لا يتمادى في السّهر حتّى يضيّع صلاة الفجر.. قد يجلس مع بعض أصدقائه وجيرانه في الشارع، لكنّه لا يقابل نوافذ الجيران وأبوابهم ولا يكشف عاتقيه ولا فخذيه أمام بيوت إخوانه المسلمين، لأنّه يحفظ حديث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: “والله لا يؤمن (3 مرّات)؛ من لا يأمن جاره بوائقه”، والجلوس أمام أبواب الجيران ونوافذهم –خاصّة في وقت الحرّ- من الشرور، كيف إذا زاد على ذلك كشف العاتقين والفخذين؟! ووضع القمامة والأوساخ أمام البيوت شرّ وأذى، وإلقاء الحبل على الغارب للأبناء ليسهروا أمام البيوت ويملؤوا الشوارع ضجيجا وكلاما بذيئا، من أعظم الشّرور…
العبد المؤمن وهو في عطلته؛ مصحفُه في جيبه أو في هاتفه، وأذكاره على لسانه، وأخلاقه معه في كلّ مكان؛ لا يؤذي النّاس بلباس أو هيئة أو كلمة أو تصرّف، لا يتلفّظ بالكلام الساقط ولا يرفع صوته بالقهقهة والضحك.. يحترم عائلات المسلمين كما يحبّ أن تحترم عائلته.. لا يرمي الأوساخ في الشارع ولا في الطّريق، ويحرص على أن يترك المكان الذي يجلس فيه مع أسرته خيرا ممّا وجده.. يحذر أشدّ الحذر من أن يكون سببا في نشوب حريق، فلا يشعل النّار في الغابات والأماكن التي يمكن أن تنتشر فيها النّار. ويحذر أشدّ الحذر من أن يكون سببا في إغلاق الطّريق عن عباد الله المسلمين بسيارته أو يكون سببا في تعطيل حركة السير، فربّما يركن سيارته في مكان غير مناسب فيكون سببا في تأخّر وصول سيارة الإسعاف إلى مريض أو مصاب، فيموت ذلك المصاب أو المريض، ويبوء العبد المستهتر بإثم عظيم عند الله، ويكتب في سجل سيئاته أنّه كان سببا في إزهاق روح مسلمة!

العطلة لا تعني بالضرورة أن نقضي الأشهر الثلاثة كلّها في التفاهات. عطلة الصيف طويلة، وهي فرصة يمكن أن نستغلّها في تعلّم ما ينفعنا وفي زيادة ثقافتنا واطّلاعنا وتطوير مهاراتنا. وليس يليق أن تَضيع منّا من دون أن نتقدّم خطوة واحدة إلى الأمام.
الفراغ فضل من الله ونعمة، لكنّه قد يتحوّل إلى وبال ونقمة، إن نحن دخلنا هذه العطلة من دون أن نحدّد أهدافا وغايات نبلغها، ومن دون أن نسطر لأنفسنا ولأبنائنا برامج نسير عليها.. يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: “من الفراغ تأتي المفاسد، وتتوالى المعاصي على العبد في سلسلة مدمرة، تُضعِف الإيمان في القلب وتبعده عن مولاه، فمن فرغ من عمل جاد مثمر فلابد وأن يشتغل بما يضره ولا ينفعه، وقد قال الشافعي، رحمه الله: نفسك إن لم تشغلها بالحق؛ وإلا شغلتك بالباطل”.
حرام أن يخرج أبناؤنا من العطلة في شهر سبتمبر ولم يزيدوا إلى حفظهم حزبا واحدا من كتاب الله، ولم يحفظوا شيئا من الأدعية والأذكار، ولم يتعلّموا ترقيع الصّلاة ولا شيئا ينفعون به أنفسهم.. إنّها جريمة عظيمة نرتكبها في حقّ أنفسنا وفي حقّ أبنائنا، حينما نترك أنفسنا وأبناءنا في أوقات الفراغ للشّيطان ليكتب لنا ولهم برامج -على ذوقه ومزاجه- نسير عليه.
في أيام العطلة، إذا لم يكن للعبد هدف يسعى لبلوغه، فإنّ الشيطان سيسوّل له العكوف على تفاهات الهاتف، من منشور تافه إلى آخر أتفه، ومن مقطع ساقط إلى آخر أسقط منه، حتى يجد نفسه في نهاية العطلة قد سوّد قلبه بالآثام وأحرق أيامه بالتفاهات، ولم يجن من عطلته إلا قلبا أسودَ قاسيا، وروحا مسجونة غافلة كأنّما تريد أن تخرج من ثقب إبرة.. وهكذا من سمح لأبنائه في هذه العطلة بأن يكونوا أسرى للفراغ والبطالة؛ سيجدهم في نهاية العطلة قد ازدادوا غفلة وتفاهة وميوعة وعقوقا واستهتارا بالصلاة والقرآن!
علينا أن نفرّ بأبنائنا إلى المساجد وإلى المدارس القرآنية، وإن لم نتمكّن من إلحاقهم بالمدارس القرآنية الصيفية، فلنجعل لهم برنامجا في بيوتنا: حفظ جزء أو جزأين من القرآن، حفظ أذكار اليوم والليلة وأدعية الأحوال المختلفة، تعلّم ترقيع الصلاة، تعلّم استعمال برنامج نافع، متابعة صفحات هادفة ونافعة… وهكذا.
العطلة الصيفية هذا العام يتخللها كأس العالم، ويأخذ منها 40 يوما كاملة، ونحن ما عدنا نطلب من شبابنا وأبنائنا أن يُعرضوا عن هذه الكأس التي لن يجنوا منها شيئا، ولكنّنا نوصيهم بألا يسمحوا لهذه الكأس بأن تسرق 40 يوما كاملة من عطلتهم، بين مشاهدة المباريات والجلوس لأوقات طويلة لتحليلها والحديث عنها، وبين إثارة النعرات مع باقي الدول العربية المسلمة لأجل لعبة.. ونوصي شبابنا بأن يحذروا أن تكون مباريات كأس العالم سببا في إضاعة واجباتهم، خاصّة الصّلاة؛ فليس يليق بعبد مؤمن أن يقوم في ثلث الليل الأخير لمتابعة مباراة وهو الذي لا يصلّي صلاة الفجر لوقتها صيفا ولا شتاء. ليس يليق بعبد مؤمن أن يقوم في ثلث الليل الأخير ليهتف ويصرخ وربّما يسبّ ويلعن، في وقت تستغفر فيه المخلوقات كلّها ربّها وتدعوه وترجوه، في وقت يفتح الله فيه أبواب رحمته وفضله ويقول: “من يدعوني فأستجيب له، من يستغفرني فأغفر له”.
أخي الشابّ، إذا كنت ستتابع المباراة في ثلث الليل الأخير، فليس أقلّ من أن تصلّي قبلها ركعتين تستغفر بعد السلام منهما ربّك وتدعوه، ولا أقلّ من أن تصلي الفجر في وقتها، وتتخذ قرارك بأن تبدأ عهدا جديدا مع هذه الصلاة المشهودة، بعد أن تقول لنفسك: “أنا الذي كانت نفسي تقنعني بأنّ صلاة الفجر في فصل الصيف صعبة، ها هي الآن تقوم في ثلث الليل الأخير قبل الفجر لأجل مباراة، أو تسهر إلى وقت الفجر من دون تعب، لأجل مباراة!”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!