حتى لا ينهار السلم الاجتماعي
مع بداية تنفيذ أحكام الميزانية الجديدة، بدأت تتكشف للمواطن المستهلِك خارطة الزيادات في أسعار ما يُستهلك من بضائع وخدمات، ليست الزيادة في أسعار الطاقة فيها سوى الجزء البارز من جبل الجليد، ويُخشى أن تنتقل العدوى للمواد الغذائية المستوردة والوطنية على السواء، في سوقٍ منفلتةٍ فقدت الدولة السيطرة عليها في السنوات السمان، وتركت لها الحبل على الغارب ترتع كيفما تشاء.
ومع تواصل انهيار أسعار النفط، وغياب آفاق لتحسّنها في القادم من الشهور والسنوات، فإن المواطنين الذين قد يتفهمون حاجة الدولة إلى البحث عن مصادر داخلية بديلة لتمويل الميزانية، كانوا سيتحملون أكثر مزيدا من التقشف، لو أن الحكومة أظهرت قدرا من الاستعداد لقسمة الأعباء بإنصاف، وتوزيعها بعدالة، بدءاً بترشيد الإنفاق العمومي على المستوى المركزي كما على المستوى المحلي، وانتهاء بإقناع أثرياء البلد بتحمّل الحصة الأكبر من أعباء المرحلة، وقد كانوا لأكثر من عقد أكبر المستفيدين من البحبوحة المالية.
الأزمة لن تصيب المواطنين كافة، وبنفس الدرجة، وقد حددت الدراسة الأخيرة حول الحد الأدنى من الدخل الضامن لحياة طبيعية عند سقف السبعين ألف دينار قبل أن تدخل الزيادات الجديدة حيز التنفيذ، حددت الشرائح التي لن تقوى على مواجهة الأعباء التي جاءت بها الميزانية الجديدة، بما يعني عموم الأُجراء في القطاعين العمومي والخاص، وصغار الموظفين من منتسبي الوظيف العمومي، يُفترض أن نصنِّفهم اليوم جميعا وفق الدراسة تحت سقف الفقر، ونلحقهم بالملايين من العاطلين وممن يقتات على فتات الاقتصاد الموازي، وشريحة واسعة من ذوي المعاشات الهزيلة من حقبة ما قبل السنوات السمان.
ثلاث شرائح من المجتمع لن تشاركنا المحنة حتى لو اضطرت الدولة إلى مضاعفة أسعار جميع المواد أكثر من مرة: أرباب المال والأعمال في جميع القطاعات، ومجتمع التجار وكثير من أصحاب المهن الحرة، وأخيرا الصفوة من إطارات الدولة والوظيف العمومي، كانوا في الصف الأول زمن تقسيم ريع البحبوحة المالية، ونراهم اليوم في مواقع آمنة زمن تسديد فاتورة السياسات الحمقاء التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ أكثر من عقد.
الأكثرية من هذه الشرائح سوف تواجه بلا ريب أياما صعبة، قد تلجأ معها إلى أدوات الضغط عبر الشارع، على الأقل للفئات المنظمة والمؤطرة نقابيا، ولن تكون هي الأخطر على السلم الاجتماعي، قياسا مع بقية الشرائح التي تفتقر إلى وسيلة إيصال معاناتها للحكومة عبر الاحتجاج السلمي المنظم، وقد تنساق إلى الشغب والحراك العدمي، أو يستغلها السحرة من الداخل والخارج في مسارات الفوضى الخلاقة.
ورغم التراجع الكبير في الموارد المالية للدولة، فإن الجزائر ليست دولة مفلسة، وليست مثقلة بالديون، وهي فوق ذلك مالكة لعملتها، مايزال بوسعها أن تلجأ إلى الدين الداخلي للتخفيف من معاناة مواطنيها الأكثر ضعفا، بتنشيط شبكة اجتماعية ترافق الشرائح الأضعف وتخفف من وطأة المحنة، وتسارع إلى فتح حوارات واسعة مبكِّرة مع النقابات لتحديد الفئات التي تحتاج إلى مراجعة سريعة في الأجور، وتنشط في المقابل أدوات الرقابة في الأسواق لقمع المضاربين قبل حصول الكارثة.