حرب الشوارع تزرع الرعب داخل الأحياء الجديدة
عادت ظاهرة حرب العصابات والعنف داخل الأحياء لتطفو مجددا هذه الأيام بمختلف أنحاء الوطن بعدما اقترنت في الماضي القريب بين المرحلين الجدد والقاطنين القدماء لتتحول إلى غاية بقية الأحياء الأخرى، مخلفة وفيات ومآسي لعائلات بأكملها نتيجة أسباب قد لا تتعدى حب التسلط والزعامة بالإضافة إلى الحالة الاجتماعية للمتشاجرين دون أن ننسى المخدرات وتعاطي الخمور التي أصبحت أكثر ما يجر إلى المناوشات والشجارات اليومية التي لا تنتهي إلا بسقوط قتلى وجرحى وحالات رعب في أوساط السكان، مما يتطلب تظافر كل الجهود لوقف مد هذا الخطر الداهم الذي قد يعوض زمن الإرهاب.
“السينيال”، “المولوتوف”، “السيوف” والخناجر هي أسماء لمختلف الأسلحة البيضاء التي أصبحت اليوم أكثر ما يتداول على ألسنة بعض الشباب في وقت اتخذتها بعض وسائل الإعلام كعناوين لأولى صفحاتها نظير الحروب والعصابات التي انتشرت بين الأحياء.
وتشير الدراسة الميدانية الأخيرة التي أعدتها مصالح الدرك الوطني وشملت العديد من الأحياء، حول أسباب حرب العصابات، بأنها ترمي أساسا إلى تزعم الأحياء السكنية من قبل المنحرفين والمسبوقين قضائيا، وأكدت المصالح ذاتها أن الظاهرة أخذت منعرجا خطيرا في السنوات الثلاث الأخيرة، مقترحة ورقة طريق لمواجهتها.
وتعود أسباب حروب الأحياء بالدرجة الأولى إلى الوضعية الاجتماعية للمتشاجرين فمعظمهم بطال، منحرف وغير متعلم وذو سلوك عدواني ويصعب التحاور معهم من طرف الأمن أو عقلاء الأحياء من حيين مختلفين، أو بين المرحلين الجدد إلى الأحياء السكنية وسكان الأحياء أو البيوت القصديرية المجاورة لها شأن حي عين المالحة بعين النعجة. وتقول الدراسة إن الصدامات تنطلق من أسباب تافهة كالإزعاج والمعاكسة لتتطور بتضامن مرحلي شباب الحي الواحد ضد الآخر إلى مشادة بين سكان الحيين للانتقام.
الدراسة ذاتها تؤكد أن أسباب الظاهرة تعود ولو بصورة غير مباشرة إلى انعدام المرافق العمومية، حيث اقترحت القيادة ضرورة توزيع السكان المرحلين من الحي الواحد على عدة مواقع، وتوفير المرافق العمومية بالأحياء الجديدة لاحتواء شباب الأحياء، وتمكين سكان الأحياء الجديدة من تشكيل جمعيات ولجان الحي في إطار قانوني، تضم أشخاصا مؤثرين في الحي على غرار الإمام والمثقف والأعيان، إلى جانب تفعيل العمل التحسيسي للمدرسة والمسجد قصد توعية الشباب والأولياء.
وقد تم تسجيل أيام عيد الأضحى المبارك العديد من الصدامات بين أحياء مختلف بقسنطينة والعاصمة لتخلف إصابة أكثر من 10 أشخاص بجروح وتحطم 7 سيارات، حيث عاش قاطنو أحياء 140 مسكن بالسويدانية، محمد حجام ببئر خادم، وأولاد منديل ببلدية الدويرة، ليالي رعب وفزع حقيقية بعد اشتباكات استعملت فيها مختلف الأسلحة البيضاء من سيوف وسواطير.
جمعية حماية الأحداث من الانحراف والاندماج في المجتمع:
“90 بالمائة من العنف في الأحياء سببه الأحداث”
أكد علي لعبادي، رئيس جمعية حماية الأحداث من الانحراف والاندماج في المجتمع لولاية الجزائر، أن 90 بالمائة من مشكل العنف في الأحياء مرده الأحداث، أي الشباب القصر الذين لا يتعدى سنهم 18 سنة، فالظاهرة التي وصفها المتحدث بالجديدة مردها مجموعة من الانتكاسيين اغلبهم خريجي السجون، ولأن هذه الأخيرة لم تعد تراع طريقة العمل والتوجيه بالمرشدين مثلما كان معمولا به في الماضي، أدى هذا الفراغ إلى بروز مشاكل كهذه، فبعد خروج السجين مباشرة من المؤسسة العقابية يجد نفسه مصرا على الانتقام بتشكيل جماعات وزعامات تساعده على ذلك وهو ما يعد خطرا – حسب الجمعية – على المجتمع والوطن بصفة عامة.
مشكل المخدرات هو الآخر طرح من طرف رئيس الجمعية الذي أشار إلى أن القضية وصلت إلى غاية تسجيل 4 قتلى أو أكثر في الأسبوع.
من جهة أخرى، تقوم الجمعية بخرجات تحسيسية ودورات ميدانية بالأحياء لمناقشة ومعالجة الظاهرة، خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها منطقة أولاد منديل بالدويرة، وفي الوقت نفسه تدخل كل الأطراف لحصر هذا المد الداهم قبل أن يتحول إلى ترهيب وترويع يهدد سلامة وأمن الوطن.
حنطبلي أستاذ علم الاجتماع:
الترحيل العفوي وكثافة الحشود من أكثر الأسباب
يقول يوسف حنطبلي، أستاذ في علم الاجتماع، أن أكثر ملاحظة يتم استقصاؤها من ظاهرة العنف التي استفحلت مؤخرا، خاصة بين الأحياء الجديدة، هي الترحيل العفوي والفجائي مع كثافة في عدد الحشود المرحلة، الأمر الذي أدى إلى اختلال التوازنات بين مختلف الأحياء ليظهر ما يعرف بجماعات تريد التسلط والهيمنة على الحي لاسيما وأنها مجردة من روح المواطنة ولا ترضى بروح تقاسم المرفق العمومي.
فالجماعات هذه يقول الأستاذ حنطبلي، هي عبارة عن مجموعة من الرفقاء وأصدقاء الحي يريدون السيطرة على الحي الجديد الذي يكون في الأصل مشحونا بقيم اجتماعية، ولأن عملية الترحيل التي اتسعت في السنوات الأخيرة بشكل كبير لم ترافقها أي دراسة انثربولوجية ولا سوسيولوجية مسبقة، ولا حتى مرافقة هذه التحولات، مما خلق اختلالا في التوازن بين قيم السكان الجدد والأصليين وعلى رأسها عدم احترام الآخر، كما أعطى المتحدث مثالا عن مدينة شيكاغو التي تعتبر من أعنف المدن الأمريكية، والتي أسست مدرسة خاصة بها لمعرفة الأسباب والتحولات التي يجب مرافقتها في التغييرات التي تطرأ عليها من فترة لأخرى.