حرّاق في كل بيت!
عاد الحديث مجددا عن ظاهرة الحراقة هذا الأسبوع عقب نشر أنباء بالقبض على العشرات منهم في الساحل خلال الأيام الأخيرة.
-
منطلقين من عنابة باتجاه أوروبا، والحقيقة أن عودة الحديث عن الظاهرة لا يعني أنها شهدت توقفا خلال الفترات التي سبقتها بل الحرقة كفكرة ومبدأ ومشروع لم تتوقف أبدا عن الاشتغال في عقول الشباب منذ أول حراق في وهران وحتى آخر واحد من عنابة، والقائمة ماتزال مفتوحة للمغامرين الجدد الذين ما بدّلوا عن قرارهم بالفرار تبديلا!
-
الحرقة لم تعد مشروع شباب عاطل عن العمل فقط، لا يملك مصروف جيبه كما لا يستطيع احتمال ملاحظات عائلته، ولكنها تحولت إلى مشروع مجتمع قائم بذاته، أخذ في التوسع بشكل تضاءلت معه كل أحاسيس الوطنية التي ظنّت بعض الدوائر الرسمية مؤخرا أنه يمكن استرجاعها من خلال توزيع العلم الوطني في كل بيت، رغم أننا نعتقد بوجود واقع آخر، هو (حراق في كل بيت)، إذ سيأتي يوم لن تجد فيه الدولة أحدا من الشباب في تلك البيوت لتوزع عليه أعلامها، بعدما سيكون معظمهم قد هاجر ليس كرها في الوطن، ولكن في الماسكين برقبة هذا الوطن من بعض المسؤولين الذين ابتلى الله الشعب بهم!
-
ولأن الحرقة لم تعد لغة أبناء الشارع من الحيطيست وفقط، فإننا لم نندهش أبدا من قرار الرئيس بمنع حصول المتفوقين في البكالوريا على منح إلى الخارج، لسبب بسيط، هو أن خروجهم إلى بلدان أخرى يعني تقديم مساعدة رسمية من الدولة للهجرة غير الشرعية، أو تسهيلا لعملية السطو على العقول الوطنية التي أضحت اختصاصا وهدفا لكثير من الجامعات العالمية، لكن المنع الشرعي والقانوني يجب أن يُتبع بحماية تلك العقول من التخريب الإداري والتلوث الجامعي والتهميش الاجتماعي!
-
الكارثة الكبرى التي يشترك فيها جميع الحراقة، سواء أولئك الهاربين بعقولهم أو الفارين بفقرهم، هي أنهم جميعا أحسوا بغربة في بيوتهم وفي أوطانهم، والواجب على المسؤولين، قبل محاسبتهم بتهمة خيانة الوطن أو عدم الشعور بالانتماء، هو محاسبة أولئك الذين اختزلوا الوطن إلى ملكية خاصة، لأن الحرقة منذ البداية كانت نتيجة وليست سببا، وسيلة وليست غاية، حينها لن نحتاج لتوزيع علم في كل بيت لأنه سيكون لدينا حقا… مواطنون في كل بيت!