-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حلولٌ بسيطة لوقف امتداد الحرائق في الجزائر

حلولٌ بسيطة لوقف امتداد الحرائق في الجزائر

عاشت ولايات عديدة هذه الأيام حرائق كارثية جعلت القلوب تقطر ألما. لم تكن مجرد حرائق عابرة، بل كانت نارا سارت مئات الكيلومترات بلا حاجز يردعها ولا جدار يوقفها. أكلت الأخضر واليابس، أتت على غابات عمرها قرون، وشرَّدت عائلات، وخلفت وراءها دمارا لا تُحمد عقباه في الإنسان والحيوان والعتاد والمنازل.
ولكن وراء هذا الألم، يكشف الواقع عن حقيقة مرّة: النار لم تنتصر لقوتها، بل انتصرت لغياب من يوقفها. لقد وجدت طريقا مفتوحا بلا فواصل، غابات متصلة بنوع واحد من الأشجار سريعة الاشتعال، لا طرق ترابية تقطع امتدادها، ولا أحزمة واقية تقف في وجهها، فسارت كما يسيل الماء في وادٍ لا سدود فيه.
الحلول ليست معقّدة ولا باهظة التكلفة ولا بعيدة المنال. إنها حلولٌ بسيطة، موجودة في تراثنا، معروفة لدى أجدادنا، ومصدَّقة بالعلم والتجربة. إذا التزمنا بها وطبّقناها بجدّية بين اليوم وصيف عام 2027، فإننا نملك كل الأسباب للقول إن الصيف المقبل يكون بلا حرائق كبرى بإذن الله.

لماذا امتدّت الحرائق مئات الكيلومترات؟
قبل أن نضع الحلول، يجب أن نفهم السبب ببساطة. لقد سارت النار من بجاية إلى الطارف لأنها وجدت ما يشبه “خط وقود مستمرا”: غابات متصلة لا انقطاع فيها، أغلبها من الصنوبر الحلبي الغني بالزيوت والراتنجات، سريع الاشتعال كالبارود، كما لا توجد فواصل بينها: لا طرق، ولا فواصل ترابية، ولا مسافات آمنة. وما إن اشتعل جزء حتى انتقل إلى المجاور له فورا.
وكانت ىالرياح القوية بمثابة “محرّك” يدفع النار وينقل الشرارات لمسافات طويلة، ولم يجد ما يكبحها.
باختصار: لم تكن هناك حدود تُعبرها النار فتتوقف، والمأساة كلّها تكمن في أننا تركنا الغابة كتلة واحدة فإذا اشتعل جزءٌ منها احترقت كلّها.

الحل الأول: فواصل ترابية
الحل الجذري الذي نفتقده اليوم هو تقسيم الغابة إلى مربَّعات معزولة. الفكرة بسيطة للغاية: كما نُقسّم البلاد بحدود، وكما نُقسّم البيت بغرف، يجب أن نُقسّم الغابة إلى وحدات مستقلة، فإذا اندلع الحريق في إحداها -لا قدر الله- يبقى محصورا فيها ولا ينتقل إلى غيرها.
أول الحلول وأبسطها هو شقّ طرق ترابية بعرض 8 إلى 12 مترا تقطع الغابة وتعزل أجزاءها عن بعضها. هذه الطرق ليست للتنقل فقط، بل هي “أسوار نارية” طبيعية، سطحها مكشوف من النباتات تماما، لا وقود تحترق عليه النار فتنقطع امتدادها فورا، ويجب أن تكفي لمرور سيارات الإطفاء والشاحنات، فتصل فرق الإطفاء بسرعة إلى قلب الحريق.
ويمكن أن تُشقّ كلّ 2 إلى 3 كيلومترات على امتداد المناطق المعرضة للحرائق، وكل 300 إلى 500 متر في المنحدرات.

حكمة الجدات تُصدّقها التجربة
هنا نعود إلى كنز تراثنا الذي أخبرتنا عنه المرحومة جدّتي خديجة والتي عاشت أكثر من قرن: نبات “الهندي” أو التين الشوكي. لقد قالت لي: “هو سهل الغرس، صعب الاحتراق، ويحمينا من النار ومن الحيوانات المفترسة.”
وقد أثبت الواقع صدق كلماتها في هذه الحرائق نفسها: في ولاية قالمة، وقفت النيران وتوقفت تماما عند صفوف التين الشوكي المحيطة بالمزارع، ولم تستطع تجاوزها رغم شدّتها. لماذا؟ لأن ألواح التين الشوكي تحتوي على ما بين 85% و90% من الماء، وعندما تقترب النار منه، يتبخّر الماء فيمتصّ الحرارة ويُبقي النبات باردا، فلا يشتعل، بل يُخمد اللهب الذي يقترب منه.

الحل الجذري الذي نفتقده اليوم هو تقسيم الغابة إلى مربَّعات معزولة. الفكرة بسيطة للغاية: كما نُقسّم البلاد بحدود، وكما نُقسّم البيت بغرف، يجب أن نُقسّم الغابة إلى وحدات مستقلة، فإذا اندلع الحريق في إحداها -لا قدر الله- يبقى محصورا فيها ولا ينتقل إلى غيرها.

الحل المقترح: نزرع صفّين أو ثلاثة من التين الشوكي خلف كل طريق ترابي، فيصبح لدينا حاجز مزدوج: الطريق يقطع النار من الأسفل، والتين الشوكي يصدّ ما قد يقفز منها. وهذا الحاجز يُكلفنا تقريبا لا شيء: نباتات نعرفها، تُزرع بقطع ألواحها، لا تحتاج ريًّا، وتعطي ثمارا نافعة.

الأحزمة الواقية
خلف التين الشوكي، نزرع أحزمة من أشجارنا المحلية التي أثبت العلمُ والواقع مقاومتها للاشتعال: الفستق الحلبي، الزيتون البري، السنديان، الخروب. هذه الأشجار تتميّز بارتفاع نسبة الرطوبة في أوراقها، وقلة الزيوت الطيارة فيها، ولحائها السميك الذي يعزل الحرارة. ونُبقي المسافات بين الأشجار كافية -لا تقلّ عن 3 إلى 4 أمتار- لكي لا تتلامس الأغصان فلا تجد النار سلما تصعد به.

خمسة مبادئ ذهبية
إذا أردنا أن نقضي صيف 2027 بلا حرائق كبرى، يجب أن نبدأ فورا بتطبيق خمسة مبادئ ذهبية:
المبدأ الأول: لا مساحات شاسعة بنوع واحد؛ فالغابة المتجانسة كالصنوبر كلّها هي وقودٌ جاهز. يجب أن نخلط بين الأنواع: نزرع الصنوبر مُبعثرا بين أشجار مقاوِمة، لا متصلا بعضه ببعض، فالتنوّع يعني أن النار لن تجد وقودا متشابها متصلا فتضعف وتتوقف.
المبدأ الثاني: احترام اتجاه الرياح. نعلم أن الرياح السائدة تأتي من الشمال والغرب. إذن نُكثّف الأحزمة الواقية في الجهتين الغربية والشمالية من الغابات، فهي التي ستواجه النار أوَّلا فتردُّها قبل أن تتعمق.
المبدأ الثالث: تنظيف “سلم النار”. نزيل الأعشاب الجافة والأغصان الميتة من تحت الأشجار، لأنها “الوقود الأول” الذي تشتعل فيه النار فتصعد إلى القمم. مهمة بسيطة يقوم بها الشباب والمتطوِّعون، وتُقلّل الخطر بنسبة تزيد على النصف.
المبدأ الرابع: لا نزرع المنحدرات العالية بقرب قممها. نعلم أن النار تصعد المنحدر بسرعة وتنزله ببطء. إذن نجعل القمم والمناطق العالية “مناطق آمنة” نظيفة، ونبني فيها مراقب، ونُبقي الأشجار المقاوِمة في الأسفل لتكون الحصن الذي تصعد إليه النار فتضعف وتتوقف.
المبدأ الخامس: الحواجز بين الولايات والمناطق. لقد امتدّ الحريق من بجاية إلى الطارف لأنه لم يكن هناك حاجزٌ يقطعه عند حدود كل ولاية. الحل بسيط: نُنشئ أحزمة واقية وعلى طول خطوط التماس بين الولايات الساحلية. كل ولاية تُحتمي بحزام من جهة الغرب، فيقف الحريق عند حدود الولاية ولا يعبر إلى التالية. بهذا لا توجد حرائق تمتد مئات الكيلومترات، بل تُحصر في مساحة محدودة.
هل هذا ممكن قبل صيف 2027؟ الجواب: نعم!
قد يتساءل البعض: وهل يتسع الوقت لفعل كل هذا؟ والجواب نعم، بكل تأكيد. لأننا لا نتحدث عن بناء مصانع أو تشييد جسور معقّدة، بل نتحدث عن:
– شقّ طرق ترابية، وهو عمل بسيط تنجزه آليات الأشغال العامة في أشهر قليلة.
– غرس التين الشوكي، يُزرع في فصل الخريف والشتاء، ينمو بسرعة، ويبدأ فعاليته في العام ذاته.
– غرس الأشجار المقاوِمة، نستخدم الشتلات الموجودة في مشاتلنا المحلية، ونُوزّع العمل على البلديات والجمعيات والمتطوعين.
– تنظيف الغابات من الأعشاب الجافة، عمل يدوي يمكن تنظيمه في حملات وطنية خلال أشهر الربيع والخريف.
إذن بين شتاء 2026 وصيف 2027، أمامنا أكثر من ستة أشهر كافية لو طبّقنا هذا بخطة منظمة وعزيمة صادقة.
لكن علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا: لا شيء يمنع “الشرارة” من الاندلاع. لأن معظم الحرائق تبدأ بفعل الإنسان: إهمال، سيجارة، نار مخيم، أو بفعل الصواعق. وهذا شيء قد يحدث مهما احترسنا.
ولكن هنا يكمن الفرق الجوهري:
– من دون حلولنا: شرارة صغيرة تتحول إلى حريق يأكل مئات الكيلومترات.
– بفضل حلولنا: الشرارة قد تشتعل في مربع واحد، ثم تجد طريقا ترابيا لا تعبره، وحزاما أخضر لا تخترقه، فتُخمدها فرقُ الإطفاء بسهولة قبل أن تتوسّع.
نحن لا نمنع الشرارة، لأن ذلك مستحيل، ولكننا نحرم الشرارة من أن تصبح كارثة. وهذا هو الفرق بين حريق محدود ومأساة وطنية.
إن خبرة جدتي خديجة رحمة الله عليها، والتي أثبتها العلم الحديث، وأثبتها الواقع المرير في هذه الأيام، هي أن الحماية لا تحتاج إلى معجزات، بل تحتاج إلى حكمة وتصميم، وعمل متواصل ويومي. نحن نملك الأرض، ونملك الماء، ونملك النباتات المقاوِمة التي تنمو في بلادنا منذ قرون: التين الشوكي، والفستق، والزيتون، والسنديان. نملك الأيدي العاملة والشباب والمتطوعين. ينقصنا فقط أن نقرر: لن نسمح بعد اليوم بأن تمتد النار مثلما وقع لنا هذا الصيف بلا حاجز يردعها.
بخط بسيط: نقسّم الغابة بمسارات، ونزرع “الهندي” فواصل، وننشئ أحزمة واقية، ونُنظّف الوقود الجاف (النباتات الجافة). هذه الأشياء إذا فعلناها قبل صيف 2027، فإننا نملك كل الأسباب لنقول بملء الثقة: صيف 2027 بإذن الله لن تمتدّ الحرائق، وسنقضيه آمنين مطمئنين، ليس لأن الشرارات لن تُولَد، بل لأننا سنجعل غاباتنا حصونا منيعة، تحيط بها الجدران الخضراء التي لا تحترق.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!