-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مع تكرار السّرقات العالمية لأصالتنا

حملة رقميّة لنشر صور بملابسنا التقليديّة في رمضان تُختم بثياب عيد تراثيّة

نادية سليماني
  • 678
  • 0
حملة رقميّة لنشر صور بملابسنا التقليديّة في رمضان تُختم بثياب عيد تراثيّة
ح.م

ريّاش: رقمنة الأرشيف الوطني المتعلق بالأزياء التقليدية الجزائرية
باتريك خليل: الأناقة المتكاملة تقتضي من المُصمّمين الكبار الاعتراف بالمنبع الثقافي لأي تراث

في زمنٍ باتت فيه الموضة لغةً عابرة للحدود، تحوّلت بعض دور الأزياء العالمية من منصّات للإبداع إلى مساحاتٍ لسرقة الهوية. ووجد الجزائريون أنفسهم مرارًا أمام تصاميم عالمية مستوحاة أو بالأحرى منسوخة من لباسهم التقليدي العريق، دون أدنى إشارة لمصدره. والظاهرة جعلت الجزائريّين يدعون لحملة رقمية كبيرة طيلة أيام رمضان، لنشر صور وفيديوهات بملابسنا التقليدية، وتختم بثياب عيد تراثيّة.
تحول ظهور ” الكاراكو” الجزائري خلال العرض الأخير للمصمم العالمي “زهير موراد” دون إشارته للجزائر بقصد أو دونه، لموجة غضب، جعلت الجزائريين يدعون لإطلاق إلى حملة رقميّة واسعة عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، لجعل شهر رمضان مهرجانًا مفتوحًا للملابس التقليدية،في رسالة للحفاظ على تراثنا وهويتنا، على أن تُختَتم الحملة بلباس عيد تقليدي. وهو ما شاهدناه “رقميا” فعلا منذ دخول شهر رمضان.
واستلهام أزياء عالمية انطلاقا من ملابسنا التقليدية، ليس بجديد، بحيث سبق لدار “شانال” العالمية استلهام اللباس النايلي الجزائري، ومثلها دار ” ايف سان لورون” للأزياء العالمية، وهو ما يطرح العديد من الأسئلة، حول آليات حماية ملابسنا التقليدية.

ريادة جزائرية في اتفاقية صون التراث غير المادّي
وفي الموضوع، أكّدت مديرة مركز الفنون والثقافة بقصر رؤساء البحر “حصن 23″، فايزة رياش، في تصريح لـ”الشروق”، أن الجزائر بذلت “مجهودات كبيرة جدا” لحماية موروثها الثقافي، سواء كان ماديا أم غير مادّي، من خلال وضع ترسانة قانونية متكاملة.
بحيث أنشأت الدولة خلايا وفرقًا متخصصة لحماية الممتلكات الثقافية من كل أشكال الاتجار غير الشرعي أو المساس بها، بالتنسيق بين مصالح الدرك الوطني والأمن الوطني والجمارك، في “إطار مقاربة ميدانية تسعى إلى التصدي لتهريب القطع التراثية أو استغلالها بطرق غير قانونية”.
وأشارت ريّاش، إلى أن الجزائر كانت من أوائل الدول التي انخرطت في الجهود الدولية لحماية التراث غير المادي، مذكّرة بأنها أول دولة أمضت سنة 2003 على اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي التابعة لليونسكو.
وأضافت، أن الجزائر ساهمت بفعالية في إعداد وصياغة هذه الاتفاقية، كما عملت على تسجيل عديد العناصر التراثية في قائمة التراث العالمي غير المادي، بما يمنحها اعترافًا دوليًا بأحقية امتلاك هذا الموروث والمهارات والعادات المرتبطة به.
لتشدّد على أن هذا الاعتراف لا يمنح حقًا قضائيًا مباشرًا لمنع الاستغلال التجاري، موضحة أن الاتفاقية “تحمي المهارات والمعارف التقليدية، لكنها لا تمنع أي جهة خارج الجزائر من استلهام هذه الإبداعات”.
وتأسفت رياش، لكثرة حالات استلهام الأزياء التقليدية الجزائرية من قبل دور أزياء عالمية، مؤكدة أن الظاهرة ليست جديدة. مفسرة أن هذا الاهتمام مردّه ثراء وتنوع الأزياء الجزائرية، ما جعله لباسًا راقيًا ذا جاذبية ومصدر إلهام للمصممين العالميين.

توثيق ورقمنة ومهرجانات وطنية

وأوضحت رياش، أن الجزائر اعتمدت آليات متعددة لتوثيق وحماية أزيائها التقليدية، من خلال إدراجها في قاعدة البيانات الخاصة بالتراث غير المادي، إضافة إلى جهود المراكز المتخصصة في البحث في التراث الثقافي غير المادي التابعة لقطاع الثقافة.
كما يتم سنويًا توثيق عناصر جديدة ضمن فعاليات المهرجان الوطني للزي التقليدي الجزائري، مثل البرنوس والقشابية والحايك والملحفة والملاية والقفطان والجبة النايلية والبلوزة وغيرها من “القنادر”.
وكشفت، عن رقمنة الأرشيف الوطني المتعلق بالأزياء التقليدية الجزائرية، بما يشمل اللوحات والكتب والصور القديمة التي توثق تفاصيل دقيقة لهذا التراث، معتبرة أن الرقمنة “خُطوة مهمّة في عصر التحول الرقمي”.

الدبلوماسية الثقافية… ضرورة
ومن بين آليات الحماية غير المباشرة، أشارت محدثتنا، بدور الدبلوماسية الثقافية، حيث ظهر العديد من السفراء وممثلي وزارة الخارجية باللباس التقليدي الجزائري في مناسبات دولية، ما يسهم في الترويج له وتعزيز حضوره عالميًا.
وأكدت أن هذا الحضور الرمزي يعكس “اعتزاز الدولة بتراثها، ويساعد في ترسيخ صورة إيجابية عن الهوية الثقافية الجزائرية في الخارج”.
مبرزة وجود فراغ قانوني دولي في مجال حماية التراث الجماعي غير المسجل، بحيث لا يوجد قانون عالمي خاص بعروض الأزياء كقطاع مستقل.
وأشارت إلى أن المنظمة العالمية للملكية الفكرية توفر إطارًا عامًا لحماية التصاميم الصناعية والعلامات التجارية والمؤشرات الجغرافية، “غير أن الزي التقليدي القديم غالبًا لا يُسجَّل كتصميم صناعي حديث، ما يصعّب حمايته قانونيًا”.
كما لفتت إلى أن اتفاقية “برن” لحماية المصنفات الأدبية والفنية، لا تنطبق على التراث الشعبي القديم أو الأزياء التقليدية المتوارثة.
وفي ظل هذا الواقع، دعت المتحدثة إلى إبرام اتفاقيات ثنائية بين الدول لفرض نسب المصدر، إلى جانب تشجيع المصممين الجزائريين على تطوير صناعة أزياء تقليدية عصرية قادرة على المنافسة عالميًا.
وختمت رياش، بالتأكيد على ضرورة الانتقال من منطق الدفاع إلى استراتيجية “هجومية”، تقوم على تنظيم أسابيع دولية للباس التقليدي الجزائري، وعقد شراكات رسمية تفرض الاعتراف بمصدر هذه الأزياء، مع إطلاق حملات إعلامية ورقمية واسعة.
كما شدّدت، على أهمية إشراك الجالية الجزائرية في الخارج في الدفاع عن عناصر التراث الثقافي، معتبرة أن الترويج القوي والتشجيع المستمر للمصممين المحليين “كفيلان بتحويل هذا الموروث من مادة للاستلهام إلى صناعة وطنية مُزدهرة تحمل الهويّة الجزائرية إلى العالم”.
المُصمّمون العالميون مجبرون على الاعتراف الصريح بالمنبع الثقافي تقديراً لتاريخه”.

الأناقة الحقيقية تكتمل بـالأمانة الفنية
ومن جهته، يرى الخبير والناقد العالمي للموضة، اللبناني باتريك خليل، في تصريح لـ “الشروق”، بأن خبراء الموضة العرب ينظرون إلى استلهام المُصمّمين العالميين من التراث العربي، كشهادة اعتراف عالمية بجمالية وغنى ثقافتنا البصرية. ومع ذلك، يؤكد “أن الأناقة الحقيقية لا تكتمل إلا بـالأمانة الفنية”.
ويرى مُحدثنا، أنّ عدم الإشارة إلى الأصل العربي عند اقتباس تصاميم تراثية يُفقد العمل قيمته التاريخية ويُحوله من تبادل ثقافي راقٍ إلى مُجرد استنساخ تجاري.
ودعا خليل، دور الأزياء العالمية إلى تبني نهج الشراكة الثقافية، حيث يتم الاحتفاء بالمصدر وذكر أصل الحكاية، لأن ذلك يمنح القطعة عمقاً إنسانياً وقيمة تسويقية أعلى، ويحفظ لكل ذي حق حقه في هذا العالم الإبداعي المُشترك.”

بصمة “الكاراكو” الجزائري لا تخطئها عين الخبير
وبصفته خبيراً في المظهر وناقداً للموضة، يرى باتريك خليل، أن استنساخ “الكاراكو” الذي قدمه المصمم العالمي زهير مراد، لا يمكن إدراجه تحت بند “الصدفة”، لأن بصمة الكاراكو الجزائري بتفاصيله الهندسية وتطريزه العريق واضحة جداً ولا تخطئها عين الخبير، على حد قوله.
ولكن لم يجزم مُحدثنا، بالسّبب الدقيق وراء هذا السّهو أو عدم الإشارة للمصدر، وأضاف: “لكنني أؤمن بأنّ الأناقة المتكاملة، تقتضي من المُصمّمين الكبار الاعتراف الصريح بالمنبع الثقافي تقديراً لتاريخه”.
وتمنى خبير الموضة، أن نرى مستقبلا توضيحاً من المصممين العالميين عن استلهامهم من أي تراث، لأن الإشارة للأصل لا تنقص من الإبداع، بل تزيد العمل رُقيّاً وقيمة، على حدّ قوله.
وللحفاظ على موروثنا العربي، فالأمر لا يتحقق “إلا بتكامل الأدوار”، بحسب محدثنا، وقال إنه يقع على عاتق المُصمّمين العرب تثبيت هويتنا في المنصّات الرقمية والعروض العالمية، بتصاميم تجمع بين الأصالة والعصرنة لفرض “بصمة ملكية” تحمي إرثنا من الاستنساخ.
كما يبرز دور المشاهير والممثلين العرب كـسفراء للأناقة عبر ارتداء هذه القطع في المهرجانات الدولية، ما “يمنح اللباس التقليدي هيبة عالمية وقصة حقيقية تجبر العالم على احترام أصوله.. فأنا أؤمن بأن دمج قوة التصميم مع تأثير النجوم، هو الدرع الحقيقي لحماية تاريخنا العربي، من المحيط إلى الخليج، وضمان استمراريته كأيقونة موضة عالمية لا تُمس”.

“الكاراكو”… معادلة صعبة في عالم الموضة
وبخصوص اللباس الجزائري التقليدي، أكد باتريك خليل، بأنه لا يمكن لأي عين تقدّر الجمال إلا أن تعجب باللباس التقليدي الجزائري، وتحديداً الكاراكو، لأنه استطاع تحقيق معادلة صعبة في عالم الموضة، وهي الجمع بين “الهيبة الملكية والرقة المتناهية” على حدّ قوله.
لا يمكن لأي عين تقدّر الجمال إلا أن تعجب باللباس التقليدي الجزائري، وتحديداً الكاراكو، لأنه استطاع تحقيق معادلة صعبة في عالم الموضة وهي الجمع بين “الهيبة الملكية” و”الرقة المتناهية”. أنا أرى فيه سحراً خاصاً يكمن في هذا المزيج بين فخامة القماش وثقل التطريز الذهبي، وبين الأناقة الانسيابية التي تمنح من يرتديه مظهراً راقياً ومميزاً؛ وهذا التوازن الدقيق بين القوة والنعومة هو ما جعله يتجاوز الحدود المحلية ليصبح قطعة عالمية تعبر عن ذوق رفيع لا يمر مرور الكرام.
وختاما، دعا الخبير والناقد في الموضة، إلى إقامة مهرجانات دورية للأزياء التقليدية العربية، باعتبارها خطوة استراتيجية تتجاوز البعد الجمالي لتصبح مشروعاً وطنياً يحمي الهوية من الاندثار.
حيث تساهم هذه المنصات في تعريف الأجيال الجديدة بعمق تراثهم وربطهم بجذورهم بطريقة عصرية ومبهرة.
ويمثل هذا التوجه بحسبه “دعماً للأيدي العاملة والحرفيين الذين يمتلكون أسرار هذه الفنون اليدوية النادرة، مما يستوجب تأسيس معاهد متخصصة تضمن نقل هذه الخبرات وتطويرها أكاديمياً، لتحويل الزي التقليدي من مجرد موروث تاريخي، إلى قطاع اقتصادي وثقافي مستدام ينافس عالمياً”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!