دروس أم الثورات لعرب ربيع الشعوب
لأن العرب تجاهلوا دروس أم الثورات العربية في العصر الحديث، كما تجاهلها أبناؤها في الجزائر، فإن موسم ثورات الربيع العربي قد انتهى بها إلى مسالك مسدودة، حين اكتفت بقص شوارب الاستبداد وعفت عن اللحية، فسقط المستبد ونجى الاستبداد، وسقطت الدولة وبقيت السلطة القابلة للركوب.
غداة نجاح الطيران الحربي البريطاني في التصدي للحملة الجوية الألمانية قال تشرشل جملته الشهيرة: “لم يحدث في التاريخ أن كانت فئة كثيرة تدين لفئة قليلة مثلما يدين الشعب البريطاني لهذه القلة من الطيارين”، وكان يفترض من القادة الجزائريين والعرب أن يرددوا جملة مماثلة في حق تلك الفئة القليلة التي فجرت ثورة نوفمبر المجيدة، وفي حق الثلة التي انتفضت من قبل مع الأمير عبد القادر وشيوخ مقاومة الغزو الفرنسي للجزائر.
.
درس الرهان على الشعب الموحد
شريحة من شباب الحركة الوطنية، كانت تنشط على هامش أحزاب الحركة الوطنية، الغارقة وقتها في مستنقع استرداد السيادة عبر المسارات الإنتخابية المزورة، هي التي كان لها الفضل في تفكيك الأسطورة، وتعرية خداع المنظومة الاستعمارية للطبقة السياسية الجزائرية، والدخول في رهان واثق من الكسب على الشعب، تُعبر عنه بصدق الكلمة المأثورة عن العربي بن مهيدي:”ألقوا بالثورة إلى الشارع يلتقطها الشعب” أو كما قال، وقد صدق، لأن العشرات من المجاهدين الذين أطلقوا الرصاصات الأولى فجر الفاتح من نوفمبر لم يكونوا ليغيروا موازين القوة مع المحتل، لو لم يكن عموم الشعب الجزائري جاهزا لاحتضان الشرارة وتحويلها إلى جذوة متقدة، ثم إلى لهيب مستعر، تتسع رقعته لتطال كل شبر من أرض الوطن.
وإذا كنا ندين بحق لهذه الثلة بتفجير الثورة، خارج حسابات الربح والخسارة التي طالما ثبطت عزيمة قيادات الحركة الوطنية، فإننا ندين لها بذلك القدر من الفطنة والحزم في توجيه الجهد نحو توحيد صفوف الجزائريين، وحمل القوى المنظمة في أحزاب وتيارات متعددة المشارب على الانصهار في بوتقة وتنظيم جبهة التحرير، وتفكيك المنظومة الحزبية التي تشكلت داخل المسارات التي فتحها المحتل لإشغال الشعب الجزائري عن الطلب الأصيل بالاستقلال، بطلب مشاركة المحتل في إدارة دولة الاحتلال.
.
درس الحماية من رماة القوى الصديقة
كان هذا هو الدرس الثوري الثاني الذي لم تسترشد به مقاومة الأشقاء في فلسطين إلى يومنا هذا، وبقيت مشتتة الذهن والإرادة والقوة، بلا أفق، ولا خيار بديل، يعبث بها بين مسارات التسوية العرجاء، وأعمال المقاومة بالتقسيط المريح لقوة الاحتلال الصهيوني.
“الثلة من المجاهدين الذين أطلقوا الرصاصات الأولى لم يكونوا ليغيروا موازين القوة مع المحتل، لو لم يكن عموم الشعب الجزائري جاهزا لاحتضان الشرارة وتحويلها إلى جذوة متقدة، ثم إلى لهيب مستعر”
الدرس الثالث لثورة نوفمبر جاء مبكرا، بمقاومة تدخل الأشقاء والأصدقاء في إدارة فعاليات الثورة، ورفض جبهة التحرير لأي دعم يكون مشروطا ولو بنصيحة أخوية من الشقيق والصديق، حتى أن المرحوم جمال عبد الناصر قد يئس، بعد كثير من الجهد والمثابرة، من أن يكون له شيء من الولاية على الثورة الجزائرية، وقد رأى بأم العين مقدار مقاومة القيادة الجزائرية لمحاولات مماثلة كانت تأتي من دول المعسكر الاشتراكي، وفشل محاولة وضع اليد على الثورة من الدولتين العربيتين الجارتين: المغرب وتونس، مع قربهما الجغرافي والاجتماعي، وتحملهما لأعباء تدفق اللاجئين المهجرين من المناطق المحرمة على الحدود.
ولمن يقرأ تاريخ الثورات، يعلم مقدار الجهد والعزيمة والثبات على الموقف، الذي احتاجت إليه قيادة الثورة من أجل إبطال وتعطيل محاولات وضع اليد بشكل من الأشكال على الثورة، فقد ارتهنت الثورة الكوبية مبكرا لقرارات وتوجيهات المعسكر الشرقي، وطبع الدعم الصيني للثورة الفيتنامية مسار الثورة، ولاحقا شكل وخيارات الدولة بعد التحرير، وكان ذلك شأن الكثير من ثورات التحرر في القارات الثلاث.
.
درس التعويل على المهاجرين قبل الأنصار
الدرس الرابع له صلة بالدرس الثالث، لأن ثورة التحرير التي رفضت تدخل الأشقاء في إدارة الثورة وتوجيهها، لم تكن لتعوّل على الجيوش العربية في تحرير الأرض، ولا على الانتساب لحلف قوي مثل حلف وارسو، بل لم تفتح صفوف جيش التحرير للمتطوعين من العرب ومن العالم الإسلامي، ومن مجرة الثوار، في زمن كان الكثير من ثوار العالم يتمنون المشاركة في الملحمة التي كان يصنعها الشعب الجزائري.
فباستثناء أسماء تعد على الأصابع من الأجانب، استعملوا تحديدا في منظومة الاستخبارات وشبكات التمويل والتموين بالأسلحة، فإن الثورة الجزائرية ظلت ثورة “نقية” إذا جاز التعبير، وهو خيار له أصول في سلوك المقاومة الوطنية منذ ثورة الأمير عبد القادر، الذي جرب من قبل كثيرا من هذه الدروس في علاقته مع الجيران، وقاوم على أكثر من جبهة محاولات تفتيت الجبهة الداخلية، بقيام أكثر من قيادة للمقاومة، ومحاولات وضع اليد على المقاومة كانت الإدارة الاستعمارية تشجع ملك المغرب عليها باستمرار.
.
درس إبعاد الوسطاء ساعة تقرير المصير
الدرس الخامس تمثل جليا في الاعتماد المبكر على مقدرات الشعب الجزائري من أجل تمويل وإمداد الثورة بالمال والرجال، فلم تكن الثورة معتمدة على مساعدات الأشقاء والأصدقاء، ولم ترهن مسارها بالتمويل الخارجي، الذي قد يخضع لحسابات مصالح الدول المتقلبة، ولم يكن بوسع إدارة الاحتلال استعمال نفوذها كقوة عظمى من أجل خنق الثورة، وتجفيف منابع تمويلها، وذلكم درس آخر من ثورة نشأت مستقلة، واستمرت وهي في مناعة من الركوب، ووصلت بالبلاد إلى محطة الاستقلال وهي مالكة للسيادة، فلم تسمح لأي طرف أن يكون وسيطا أو مشاركا في مباحثات إيفيان، التي انتهت بقرار وقف الاقتتال، وتنظيم الاستفتاء على الاستقلال.
ثم إن ثورة التحرير كانت بلا ريب ثورة رابحة، نموذجية على أكثر من مستوى. فقد انطلقت لتحرير بلد لم تكن قد تشكلت جغرافيته ورسمت حدوده، وقد استفادت من رهان المحتل على التخلص من الكثير من مستعمراته في القارة، حفاظا على مستعمراته الكبرى في الجزائر، ودرة تاج الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، حتى أن ثلثي مدة ثورة التحرير كان ثمنا لإصرار المفاوض الجزائري على الصحراء الكبرى، ومن أجل فك الارتباط السريع مع إدارة واقتصاد الدولة المستعمرة، وكان ذلك هو درس الثورة السادس.
.
توليد الثورة لعقل جماعي للأمة
تلكم هي الدروس الكبرى التي أنتجتها ثورة التحرير والتي تفسر سر نجاحها، وسمحت للثورة بأن تنجز ما سماه المرحوم بن يحيى وزير الخارجية السابق بعملية “التوليد الجماعي للأمة”، فاستطاعت أن تغرس جملة من القيم الجماعية التي تطبع إلى يومنا هذا نفسية وذهنية الجزائريين، بل ومعها ذهنية وسلوك الدولة، حتى مع الفساد الذي تسلل إلى نخبها ومؤسساتها، ومنها الغيرة المفرطة على السيادة، والرفض الشعبي والحكومي لجميع أشكال التدخل في الشأن الداخلي، والعداء الفطري لظلم المستكبرين للمستضعفين، حتى أن الدولة الجزائرية مع جميع الحكومات التي تعاقبت عليها، لم تكن لتجرأ على الوقوف في الفسطاط الخطأ، فلم تخذل القضية الفلسطينية، ولم تتاجر بها كما فعلت كثير من الأنظمة العربية، ولم تتنكر لثورات الشعوب الإفريقية، وكان موقفها السياسي والدبلوماسي في الهيئات الدولية والإقليمية ملتزما بالقيم التي نشأت عليها ومن أجلها ثورة التحرير، حتى أن الحكومة التي وصفت وقتها بحكومة الاستئصال في التسعينيات من القرن الماضي، لم تنخرط في تحالف الأعراب من المشرق والمغرب مع العدوان الثلاثيي الأمريكي على العراق، وآزرت المقاومة في لبنان وغزة، ووقفت رافضة لعدوان حلف الناتو على الشقيقة ليبيا، وترفض اليوم التدخل العسكري الأجنبي في سورية وفي مالي. وجميعها مواقف مستلهمة من مبادئ ثورة التحرير، التي يتجاهل دروسها الأشقاء العرب في التعامل مع المحتل الصهيوني، ومع هذا التكالب الغربي المتواصل على جغرافية العالم العربي.
“الثورة التي ألقي بها إلى الشارع فالتقطها الشعب، أنجزت ما سماه المرحوم بن يحيى”التوليد الجماعي للأمة”، فغرست جملة من القيم الجماعية التي تطبع إلى يومنا هذا نفسية وذهنية الجزائريين، ومعهما ذهنية وسلوك الدولة”.
.
تجاهل عرب الربيع لأم ثورات العرب
الشعوب العربية المنخرطة في ما سمي بالربيع العربي لا يبدو أنها استفادت كثيرا من دروس ثورة التحرير الجزائرية، لا من جهة شرط توحيد صف الثائرين كشرط إلزامي لنجاح الحراك الثوري، ولا من جهة منع التدخل الأجنبي ومحاولات الركوب التي خربت مسارات الربيع العربي منذ البداية، ولا من جهة الاستغناء الواجب عن العروض السخية القادمة من الأصدقاء والأشقاء، ووعودهم الأكثر سخاء لليوم التالي للثورة، ولا من جهة واجب التعويل أولا على مقدرات الشعوب وانخراطها في مشروع التغيير، الذي ينبذ سلوك الإقصاء وروح الانتقام المولدين لعداوات كثيرة، هي من أكثر وأخطر عوامل الفشل والتمكين للثورة المضادة.
بشكل من الأشكال تتحمل الجزائر، دولة وشعبا، القسط الأكبر من المسؤولية في إضاعة الدروس العظمية التي قدمتها ثورة التحرير لجميع شعوب العالم، فكما فشلنا من قبل في الترويج لملاحم المقاومة الوطنية المبدعة على يد الأمير عبد القادر، ومن حمل المشعل بعده، ولم نستفد كثيرا من التراث السياسي للحركة الوطنية حين عدنا إلى المسار الديمقراطي، فإننا نعجز اليوم عن كتابة هذا التاريخ الذي يحسدنا عليه كثير من الأمم والشعوب، فيخلد الفن السابع المقاوم المجاهد عمر المختار، ونتجاهل أستاذه وملهمه عبد القادر، ولا نجد، بعد مضي قرابة ستة عقود عن تاريخ اندلاع الثورة، ما نغطي به يوما واحدا من مراسيم الاحتفال بعيد الثورة.
بعض اللوم يقع أيضا على النخب العربية التي تجاهلت، بدوافع غامضة، واحدة من أعظم ثورات العصر الحديث، كان يفترض أن تقدم للأجيال العربية كثورة ملهمة للفكر العربي، قائدة موجهة لسلوك النخب، وكمصدر اعتزاز وفخر لعموم الشعوب العربية المصابة في فلسطين ببؤرة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، المغذي لحملات الاستعمار الغربي الجديد، وتحرش قوى الاستكبار الدائم بجغرافية العالم العربي، وبسيادة الشعوب على الأرض والثروة..