-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دروس وعبر من قصّة يونس (1)

سلطان بركاني
  • 1016
  • 0
دروس وعبر من قصّة يونس (1)

لعلّ من أكثر قصص القرآن الكريم الحافلة بالدّروس والعبر التي لا يستغني عنها مسلم في هذه الحياة، قصّة نبيّ الله يونس -عليه السّلام-، هذا النبي الكريم الذي أرسله الله –تعالى- إلى أهل “نينوى” في “موصل” العراق، وكانوا مائة ألف أو يزيدون، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، فلم يؤمنوا به، بل كذّبوه وأصرّوا على كفرهم وشركهم وإعراضهم، فلمّا رأى إصرارهم وعنادهم، ذهب مغاضبا وتركهم، بعد أن توعّدهم حلول العذاب الأليم.

ظنّ نبيّ الله يونس –عليه السّلام- أنّ الله لن يَقْدُر عليه (أي لن يضيّق عليه ولن يعاتبه في ترك دعوة قومه)، فركب سفينة في البحر مشحونة بالمسافرين معهم أغراضهم. كان كلّ شيء عاديا في البداية، ولكن ما أن توسّطت السّفينة البحر، حتى هاجت بها الرياح فماجت واضطربت، فألقوا متاعهم ليخفّفوا الحمل، ولكنّ السّفينة لم تهدأ، فقرّروا أن يلقوا ببعض الركّاب، واقترعوا لذلك، وقدّر الله أن تقع القرعة في كلّ مرّة على نبيّ الله يونس عليه السّلام، فألقى بنفسه في البحر المضطرب، فبعث الله حوتًا عظيماً فالتقمه، بعد أن أمره الله بأن لا يأكل ليونس لحماً ولا يهشم له عظماً، فلبث في بطنه أياما، أيقن فيها أن لا منجي له من ظلمة الحوت وظلمة البحر إلا الله، ((فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين))، فأمر الله الحوت أن يلقيه، فألقاه في أرض لا بناء فيها ولا شجر، وبه من الضّعف والوهن ما الله به عليم، وأنبت عليه شجرة من يقطين (قَرْع) تظلُّه ويقتات منها حتى استعاد عافيته.. أمّا قوم يونس، فإنّهم لمّا غادرهم يونس عليه السّلام، وتحقّقوا نزول العذاب ورأوا بوادره، ألقى الله الخشوع والخضوع في قلوبهم، فندموا وتابوا وأنابوا، وجأروا إلى الله وتضرّعوا إليه أن يردّ عنهم عذابه، وبكوا رجالا ونساءً وأطفالا، فكشف الله عنهم العذاب، وردّ عنهم العقاب، وحين عوفي نبيّ الله يونس –عليه السّلام- ورجع إليهم، وجدهم قد آمنوا واستقاموا.

الدرس الأوّل: لا بدّ للخطأ من ضريبة.. إلا أن يعفو الله

لعلّ من أظهر وأهمّ دروس هذه القصّة أنّ لمخالفة أمر الله فاتورةً لا بدّ أن تدفع، إلا أن يعفو الله بمنّه وكرمه، فالغالب أنّ من خالف أمر الله حلّت به عقوبته في الدّنيا قبل الآخرة، إلا أن يتوب الله عليه قبل حلولها.. فهذا نبيّ كريم، عوتب في ترك قومه قبل أن يأذن الله له، ونزل به بلاء عظيم، ومع أنّ خطأه لم يتعدّ الاستعجال وترك ما هو أولى وأفضل، إلا أنّ الله ابتلاه فألقي في البحر الهائج، ثمّ التقمه الحوت الجائع، حتى صار في ظلمات بعضها فوق بعض.. وهكذا كلّ عبد في هذه الدّنيا يخالف أمر الله ونهيه، لا بدّ أن تحلّ به العقوبة، إلا أن يعفو الله؛ فمن عصى الله فليهيّئ نفسه لعقابه، يقول سبحانه: ((مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه))، والعقوبة لا يشترط أن تكون مصيبة أو بلاءً ظاهرا يصيب البدن، فقد تكون عقوبة المعصية قسوة تصيب القلب، وهذه من أدقّ وأضرّ العقوبات التي لا يتنبّه لها كثير من النّاس، وهي عقوبة تجرّ خلفها عقوبات أخرى، فما ابتلي عبد بمصيبة أعظم عليه من قسوة قلبه، حينما يحال بينه وبين الاهتمام بالطّاعات، فتمرّ عليه الأيام والليالي من دون أن يكون له حظّ من تلاوة القرآن وتدبّره، ولا حظّ من قيام اللّيل، وتمر عليه مواسم الخير، مثل رمضان والست من شوال وعشر ذي الحجّة، فلا يجد من نفسه حرصا على استغلالها. وأي عقوبة أعظم من أن يحسّ العبد بثقل الصّلاة على نفسه حتى يكون همّه التخلّص منها، وبثقل الذّكر على لسانه، حتى لا يكاد يتحرّك به إلا قليلا، ويشعر بحجاب يحجبه عن القرآن، وربّما يقع في بلية أو كرب ويكون في أمسّ الحاجة إلى ذكر مولاه والتضرّع إليه، فيخونه لسانه ويخذله قلبه ويتعلّق بالأسباب الظّاهرة، فيوكل إلى نفسه، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “من أثر الذنوب والمعاصي أنّ العبد إذا وقع في شدّة أو كُربة أو بلية؛ خانه قلبُه ولسانُه وجوارحُه عمّا هو أنفع شيء له، فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله تعالى والإنابة إليه والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه، ولا يطاوعه لسانه لذِكره” (الداء والدواء، ص215).. وإذا حيل بين العبد وبين الطّاعات والقربات، أقبلت نفسه على الشّهوات والملهيات، وتحرّكت جوارحه بالمعاصي والمخالفات، وانقضت أوقاته في الانشغال بالنّاس عن نفسه، وبهمّ الدّنيا عن همّ الآخرة.. وهكذا ربّما يعاقب المرء بعقوبات من هذا القبيل وهو لا يشعر، بل يظنّ أنّه معافى! فأهون العقوبات هي التي تنزل بالبدن والجوارح الظّاهرة، أمّا العقوبة التي تنزل بالقلب، فهي أضرّ وأعظم عقوبة، يقول الإمام ابن الجوزي -رحمه الله-:وربّما رأى العاصي سلامة بدنه وماله، فظنّ أنْ لا عقوبة، وغفلته عما عوقب به عقوبة، وربما كان العقاب العاجل معنويًا كما قال رجل من بني إسرائيل: يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني! فأوحى الله إلى نبيّ ذلك الزّمان أن قل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري، أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟”.

لأجل هذا كان الصّالحون من عباد الله، ينظر الواحد منهم إلى كلّ بلاء ينزل به على أنّه عقوبة من الله لمعصية وقع فيها أو مخالفة ارتكبها. يقول الفضيل بن عياض رحمه الله:إنّي لأعصي الله -عزّ وجلّ- فأعرف ذلك في خُلُق دابتي وجاريتي”، بل إنّهم قد بلغ بهم الأمر إلى حدّ محاسبة أنفسهم على ترك المستحبّات وفعل بعض المباحات، شعارهم في ذلك: ((أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)). يُروى عن أبي عثمان النيسابوري -رحمه الله- أنه انقطع شسع نعله في طريقه إلى الجمعة، فانشغل بإصلاحه ساعة، ثم قال: ما انقطع إلا لأني تركت غسل الجمعة”!

الدّرس الثّاني: قد تكون العقوبة خيرا

من دروس قصّة يونس -عليه السّلام- كذلك، أنّ العبد المؤمن ينبغي له أن ينظر إلى عقوبة الله على أنّها خير له، لأنّها من الرؤوف الرّحيم سبحانه، فمهما كانت عظيمة فهي أهون من عقاب الآخرة، وهي رسالة من الله إلى عبده ليعود ويصلح قبل أن تختم صحيفته ويغلق دونه باب التّوبة.. عندما ابتلى الله سبحانه عبده ونبيّه يونس عليه السّلام، كانت العاقبة خيرا له، فقد عبد الله وسجد له ودعاه في بطن الحوت؛ في مكان لم يسجد فيه ولم يدعُ فيه أحد قبله ولا بعده، وقرّت عينه بإيمان قومه وهدايتهم، وأُلهم دعاءً من أعظم وأنفع ما يُدعى به الحنّان المنّان سبحانه، ((لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين))، وكان بعد البلاء أعظم قدرا عند الله.. وهكذا كلّ عبد مؤمن، يعصي الله، فينزل الله به عقوبة في الدّنيا شفقة عليه من عقوبة الآخرة، ويضيّق عليه ليراجع نفسه ويتوب ويؤوب.. الحنّان المنّان -سبحانه- لا يحبّ أن يرى عبده يبتعد عنه ويقترب من عدوّه إبليس، لذلك يبتليه ويعاقبه ليُقربه إليه، وليرى دموعه ويسمع اعتذاره، ويرى ضعفه وفقره وحاجته.. ولهذا قد يعاقب الرّؤوف الرّحيم سبحانه عبدا يحبّه، ولا يعاقب عبدا آخر من عباده لا يحبّه، فها هو سبحانه قد ابتلى نبيا من أنبيائه، يونس عليه السّلام، ولم يعاقب قوم يونس الذين عصوا وأصرّوا، ولذلك لا يجوز أبدا أن ننظر إلى البلاء الذي ينزل بعبد من عباد الله على أنّه دليل على غضب الله عليه أو مقته له، يقول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: “لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى” (متّفق عليه).

يُتبع…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!