“دلّالات” الذهب يفرضن منطقهن بساحات العاصمة!
تهرب ضريبي، مخالفة قانون النقد والصرف والبيع، قفز على القوانين، نصب وإحتيال وسرقات.. هي ذي أبرز ما قد يتناهى إلى الأسماع عن “دلّالة الذهب”، أمّا “دلاّلات الذهب” فلن يجد السائل عنهن صعوبة تذكر في الوصول إليهن، فواد كنيس، باش جراح، السوق المغطى لساحة الشهداء من أبرز نقاط تواجدهن، حيث تفرض “دلّالات” الذهب منطقهن وحدود مناطقهن في تلك الأماكن أمام أعين المارة وحتى رجال الأمن، إذ لا تجد “الدلاّلات” حرجا في عرض سلعهن والترويج لها قصد الظفر بزبون.
محلات مجوهرات متنقلة، حماية مقربة، وأسعار مرتفعة…
ثلاثي “دلّالة” الذهب بواد كنيس!
تضم الأسوار الخلفية لحديقة واد كنيس بين جنباتها “محلات جواهر متنقلة”، فلا يقل وزن ما تحمله الواحدة من “الدلاّلات” عن ما يمكّن من فتح محل مجوهرات، فما إن وصلنا إلى واد كنيس حتى عرض علينا رجلان خدمتهما من بيع أو شراء لقطع ذهبية، ليحيلانا لمّا أوهمناهما برغبتنا في شراء الذهب على ثلاث نسوة يتبعهن من بعيد ثلة من الرجال فيما يشبه المرافقة الأمنية لأفراد الحماية المقربة: “يجب أن نبتعد عن أعين الشرطة، فهم لا يسرهم أن نعرض سلعنا أمامهم” قالت إحدى “الدلاّلات” وهي تفسر سيرها بنا إلى محل مجوهراتي بعيدا عن حديقة واد كنيس، قبل أن تفتح أزرار حجابها لتكشف عن ما يشبه واجهة محل صياغة أثقلتها رزم وحزم ما حملته، فكان أن ربطت مختلف القطع إلى قطعة حديدية أوثقتها بثوبها الذي ثقل من حملها.
أساور، خواتم، سلاسل، أقراط، أطقم كاملة محلية أو مستوردة من كل الماركات العالمية، تباع هنا أو تتكفل “الدّلالة” بإحضارها للزبون، قبل أن تبدأ بعدها مرحلة أخرى من المفاوضات التي لا بد أن تتخللها شجارات بين بعض “الزميلات”، فالحصول على زبون في هاته الأيام ليس بالأمر السهل، فيجب مراضاته و إغرائه بمختلف الوسائل كتخفيض الأسعار والبيع بالتقسيط المريح.
محامون، أطباء، صحافيون وغيرهم .. أهم زبائن “الدلالات”
تؤكد خالتي فتحية إحدى أقدم “الدلّالات” بالسوق المغطى بساحة الشهداء أن الزبائن الذين يترددون عليها من مختلف الشرائح العمرية والمهنية ، فمنهم الصحافي ومنهم الشرطي ومنهم حتى وكلاء جمهورية، حسب ما أكدته خالتي فتحية صاحبة الخمس وعشرين سنة خبرة في الميدان، فالإقبال الكبير عليها وعلى غيرها من “الدلاّلات” كان واضحا أثناء إنجاز هذا الموضوع من قبل زبائن من كافة الشرائح العمرية ومن كلا الجنسين، فالمقبلات على الزواج، ومريدات القطع الذهبية للإستعمال اليومي وحتى من يريدون الشراء بغية إعادة البيع أو الإهداء يجدون ضالتهم في السوق المغطى لساحة الشهداء، حيث تعرض عليك “الدلّالات” سلعهن، والملاحظ أيضا أن حدة التنافس بينهن تزداد شراسة كلما هم أحد الزبائن بالإقتراب من إحداهن، أما إن لمسن نية من الزبون في الشراء فتصبح حينها كل الوسائل مشروعة في سبيل الظفر به وبنقوده، تصل في كثير من الأحيان حد التلاسن بين “الدلّالات” على مرأى الزبون، فخالتي “ربيعة” لم تتردد في جرنا من يدنا بعنف والبقاء متمسكة بنا لما شاهدت “دلالة” أخرى تحوم حولنا أثناء انهماكها في التفاوض مع فتاة جاءت رفقة والدتها لشراء خاتم وأسورة قصد ضمها لجهاز الفتاة التي كانت تحضر بعض الصيغة من أجل عرسها.
في ظل غياب الدولة وانتعاش تجارة “الكابة” دلّالات الذهب يفرضن منطقهن!
هي إذن تجارة قائمة بحد ذاتها، أسست لها وأرست أركانها وفرضت منطقها وبورصة أسعارها وزبائنها “دلاّلات الذهب”، حيث تعرض “الدلاّلات” سلعهن المختلفة على مرآى ومسمع المواطنين ورجال الأمن رغم أنها تجارة غير شرعية وغير مسموح بممارستها على حافة الطرقات من غير رخصة.

و عن مراقبة سوق “الدلالات” يؤكد السيد “فاروق تيفور” المكلف بالإعلام بوزارة التجارة الوطنية أن صلاحيات وزارته الوصية في هذا الشأن تتعلق فقط بمحلات بائعي المجوهرات، ممن يمتلكون سجلا تجاريا ويخضعون للقانون و مراقبة الأسعار، و لا دخل لوزارته في شؤون “الدلّالات”.
أما “صالح صويلح” الأمين العام لإتحاد التجار والحرفيين والناطق الرسمي له فقال في رده على سؤال الشروق العربي بشأن مصدر الذهب المتداول لدى “الدلّالات” بأنه ذهب خالص، حيث يقمن بشراء “الكاسي” منه ليعيدوا تصنيعه أو يعيدون بيعه، و يوضح: “كما أن هناك جماعة “الكابة” التي تأتي بقطع ذهبية مستوردة من شأنها أيضا تدعيم نشاط هؤلاء “الدلّالات” بقطع ذهب من الخارج لمن أرادت المستورد”.
وباعتبارها تجارة موازية فرضتها الظروف الإجتماعية وعجزت عن تأطيرها الدولة قانونيا، يؤكد الأستاذ “إبراهيم بهلولي” المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا، أنه لا يوجد نص صريح يمنع ممارستها، غير أن قانون المنافسة والأسعار والقانون المنظم للتجارة يستلزم أن تتم المعاملات التجارية كبيع وشراء الذهب مثلا عن طريق فواتير ووصولات، و يضيف: “وهو ما لا يوجد في “دلّالات” الذهب، التي لا ينطبق عليها حسب ما نلاحظه أي قانون، والمفروض أن تجارة الذهب تخضع لقوانين السوق، خاصة و أن مادة الذهب يقاس عليها في المعاملات الدولية “، هذا ولم يستبعد الأستاذ المحامي “إبراهيم بهلولي” أن تكون بعض من القطع المباعة فيه مسروقة، مما يؤدي الى جملة من المشاكل كالتزوير والبيع بالغش وما ينجر عنه من متابعات جزائية، وهو ما يفسر في جانب من الجوانب رفع رأس مال استيراد الذهب لسنة 2014، حيث قال السيد خليفة أحمد، عضو لجنة المالية بالمجلس الشعبي الوطني في اتصال مع مجلة “الشروق العربي” أن قانون المالية لسنة 2014 أقر زيادة من 5 إلى 10 ملايين بالنسبة لمستوردي الذهب و ذلك للمحافظة على منتج الذهب الموجود في الجزائر.
فمع عدم قدرة الدولة على تنظيم السوق ووضع حد لتجارة الذهب الموازية التي فرضتها الظروف الإجتماعية، تبقى “دلّالات الذهب” وحدهن من يتحكمن في مداخل ومخارج وأسعار وزبائن المعدن الأصفر.