رئيسة “جمعية فرنسا الجزائر” تدعو باريس للاعتذار
بينما تعمد فرنسا الرسمية إلى تعميق الهوة مع الجزائر من خلال التصريحات والقرارات الاستفزازية، يحاول بعض المعتدلين من خارج النخبة الحاكمة في باريس، تصليح ما أفسده الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون ومحيطه، وهو ما ينطبق على الوزيرة والمرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية في سنة 2007، سيغولين روايال.
وترأس حاليا “جمعية فرنسا الجزائر”، التي تعاقب على رئاستها شخصيات سياسية وازنة، على غرار الوزيرين السابقين، جون بيار شوفنمان، ومن بعده أرنو مونتبورغ، وقد حاولت في أول لقاء رسمي لها منذ تقلد هذا المنصب قبل نحو شهر من الآن، مد الجسور مع الجزائر، من خلال تصريحات غلب عليها البعد المتعلق بالذاكرة، والذي يعتبر من بين الملفات التي ساهمت بشكل كبير في تسميم العلاقات الثنائية.
وفي أول نشاط لها على رأس الجمعية، السبت 17 يناير 2026، بمعهد العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس، تحت عنوان: “غدا، فرنسا والجزائر”، عبرت روايال عن رفضها لبعض التوصيفات التي يستعملها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وحزامه السياسي الذي يتكون من وجوه سياسية يمينية ويمينية متطرفة، مثل “ريع الذاكرة”، الذي كان أول من وظفه سيد قصر الإيليزي، في سنة 2021 وتسبب في أزمة دبلوماسية حادة، استدعت الجزائر خلالها سفيرها من باريس لأجل التشاور.
وقدمت رئيسة “جمعية الجزائر فرنسا” مقترحات تقول إنها تهدف إلى تخفيف حدة الأزمة السياسية والدبلوماسية التي تعصف بالعلاقات الجزائرية الفرنسية، منذ صائفة 2024، غير أن هذه المقترحات تتعلق بالذاكرة فقط، وهي بحكم التطورات التي استجدت منذ نحو سنة ونصف على صعيد العلاقات الثنائية، أصبحت ثانوية، بالنظر لبروز ملفات أثقل وأخطر منها، مثل قضية الصحراء الغربية، التي تعتبر السبب الرئيسي في تفجير الأزمة الراهنة.
وتقترح سيغولين روايال على سلطات بلادها من أجل التهدئة، إعادة الممتلكات والمتعلقات التي سرقتها فرنسا من الجزائر، أثناء الاحتلال، وجماجم المقاومين الجزائريين المعروضة بشكل غير إنساني في المتاحف الفرنسية، فضلا عن الأرشيف المنهوب، والذي تتماطل باريس في إعادته لأصحابه تحت مبررات واهية، من قبيل أن ذلك يتطلب ترتيبات سياسية قد يصعب تجميعها في ظل التنافر الحاصل بين الفرقاء في باريس، بالإضافة إلى تسليم خرائط التفجيرات النووية والكيميائية، التي أجراها جيش الاحتلال الفرنسي في الصحراء الجزائرية، والنفايات التي خلفتها تلك التفجيرات.
وتعهّدت رئيسة “جمعية فرنسا الجزائر” ببذل “كل ما في وسعها لإحراز تقدم في هذه القضية الصعبة المتعلقة بالذاكرة”، وهي تستهدف دفع سلطات بلادها إلى الاعتراف بما وصفتها “الحقائق التاريخية الثابتة والموثقة”، في إشارة إلى جرائم الاستعمار الفرنسي بالجزائر، وإن لم تسمها بالإسم، والعمل كما قالت، من أجل عزل أولئك الذين يحاولون توظيف جرح “ضياع” الجزائر من فرنسا، من أجل إضفاء الشرعية على أجندات اليمين واليمين المتطرف.
واعترفت سيغولين روايال بأن “بعض جرائم الاستعمار الفرنسي، لم يتم الاعتراف بها بشكل كامل، ولم يتم إصلاحها، ولم يتم تبريرها، ويجب على فرنسا معالجتها”، بما يساعد على تهيئة الأجواء قبل استعادة جسور التواصل بين البلدين، والذي يبقى في حكم المعلق، حتى بعد الزيارة التي قادت الأمينة العامة لوزارة الخارجية الفرنسية، آن ماري ديسكو، إلى الجزائر في نهاية شهر نوفمبر المنصرم.
وتبدو المرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية الفرنسية متحمسة جدا على هذا الصعيد، وهي تؤكد شروعها في تجسيد ما تطالب به، حيث قالت إنها تواصلت مع مسؤولي متحف “شانتيي” الفرنسي، من أجل تسليم بعض المتعلقات الخاصة برمز المقاومة الجزائرية الأمير عبد القادر (خيمته وسيفه وبندقيته)، لمؤسسة الأمير عبد القادر، التي كان رئيسها حاضرا في نشاط سيغولين روايال، فضلا عن مدفع بابا مرزوق، والذي سيكون محور نقاش “في أسرع وقت ممكن” بينها وبين رئيس بلدية بريست، حيث يوجد منتصبا منذ أن تم تهريبه من الجزائر.
وعلى الرغم من أهمية ما أشارت إليه رئيسة “جمعية فرنسا الجزائر”، إلا أن تلك الملفات تبقى جزءا يسيرا من الأزمة بعد تشعبها وأخذها أبعادا أخطر، من خلال الإضرار بالمصالح الجيوسياسية للجزائر، وتحالف باريس مع النظام المغربي فيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية، واستهداف أبناء الجالية الجزائرية في فرنسا، وهي الألغام التي زرعتها السلطات الفرنسية على جسور التواصل، ويتعين عليها تفكيكها قبل أي تفكير في المصالحة مع الجزائر.