-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

راحة الأمد القصير ومسؤولية الأمد البعيد…

راحة الأمد القصير ومسؤولية الأمد البعيد…

يبقى إنجاز الأهداف على المدى القصير محقّقا للراحة في جميع القطاعات والمجالات إن كانت تجارة أو صناعة أو إدارة أو تسييرا. يسعد كل تاجر أو كل مدير شركة أو كل مسؤول عندما يعرف أن نشاطه يحقّق أهدافه على المدى القصير، ويسعد أكثر لو كانت نتائجه وأرباحه فورية، لا انتظار فيها! والواقع يقول أن هذا وهم بالربح، ووهم بتحقيق الأهداف لا يختلف عن وهم صغار الساعين لتحقيق الربح السريع الذين ننتقدهم باستمرار. والأكثر من ذلك، تعد سياسة المدى القصير هذه غير مسؤولة لأنها لا تساهم أبدا في تحقيق التطور والتقدم بل هي السياسة التي تبقي الوضع على حاله لسنوات وتزيده تعقيدا وتدهورا على المدى البعيد.
في سنة 2017، اطلعت على كتاب كان قد صدر للتو في فرنسا يحمل عنوان: Le Long Terme comme horizon: Système d’anticipation et métamorphose des organisations يرصد مسار كبرى الشركات المعمّرة في هذا البلد، وخلاصته أن الشركات الأنجح والتي ساهمت في تطوير اقتصاد بلادها وجعلته متطورا هي الشركات التي اعتمدت المدى البعيد كمنهجية عمل ولم تكتف بتحقيق الأرباح الفورية ثم تنسحب من الساحة، بل إن الشركات التي اعتمدت أفق المدى البعيد هي التي تحولت الآن إلى شركات عالمية رائدة في مجالها.
من بين هذه الشركات التي يعرضها الكتاب شركة Saint-Gobain الفرنسية التي تأسّست سنة 1665 (القرن 17) وهي الآن مجموعة عالمية وعملاق في مجالها. تاريخ تطورها يجسد بوضوح أهمية المدى البعيد للاستمرار وإحداث التراكم الذي يحقق التقدم. (يخطئ من يعتقد أن التقدم يحدث بين عشية وضحاها إلا إذا كان مستوردا وفي هذه الحالة هو تقدم شكلي وليس حقيقي).
لقد كانت النشأة بخيار سياسي للملك لويس الرابع عشر وبخيار اقتصادي لوزيره للمالية جان باتيست كولبير بهدف تزيين قصر فرساي بمراياه الزجاجية (مازالت إلى اليوم)! وفي ذات الوقت لمنافسة الصناعة الإيطالية التي كانت تحتكر هذا المجال في تلك الفترة. ومنذ التأسيس والشركة، تبني سياستها على المدى البعيد. لم يكن هدفها فقط صفقة مرايا القصر التي تحققت كهدف مباشر، صفقة وتنتهي، بل كانت لديها غاية بعيدة المدى: التأسيس لقاعدة صناعية متطورة من دون أن تؤثر عليها حتى التقلبات السياسية الكبرى بما فيها الثورة الفرنسية 1789. وهكذا انتقلت من الزجاج إلى مكونات الزجاج الكيميائية، إلى الزجاج الصناعي للسيارات، إلى ألياف الزجاج والعزل الحراري في بداية القرن العشرين، إلى ألواح الجبس “بلاكو” إلى دمج التكنولوجيا في مواد البناء بصناعة الزجاج الذكي إلى السيراميك الفائق للمركبات الفضائية وأجهزة الطائرات النفاثة إلى صناعة سيليكون أشباه الموصلات اليوم، وفروعها باتت منتشرة بـ75 دولة عبر العالم بـ800 موقعا صناعيا مشغلة 160 ألف عامل ومحقّقة مبيعات بـ23.6 مليار يورو في النصف الأول من سنة 2026!
وأمثال هذه الشركة عبر العالم لا تحصى في الدول المتقدمة صناعيا، ومنهجية المدى البعيد المعتمدة من قبلها في المجال الاقتصادي لا تختلف عن المنهجية المعتمدة في مجالات أخرى اقتصادية وسياسية وغيرها، جميعها تقوم على مبدأ الإنفاق المتزايد على البحث والتطوير، والاعتماد الأساسي على تقنيات وأدوات الاستشراف والاستشراف الاستراتيجي التي باتت شائعة اليوم.
لذلك نقول، إن تحقيق الأهداف المباشرة الآنية إذا كان مقبولا في أي قطاع أو مجال، لتحقيق راحة الأمد القصير مثلما فعلت مرايا قصر فرساي، فإنه يعد غير مسؤول إذا اكتفي بذلك وأغلق الملف. ذلك أن أي مجال أو قطاع لا يستند إلى رؤية مستقبلية واضحة، قد يسعدنا اليوم ولكنه أبدا ما يمكّننا من بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!