-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
المتحدث السابق في الأمم المتحدة عبد الحميد صيام لـ"الشروق":

ربط أزمة فلسطين بالسابع أكتوبر تشويه للحقائق وتزوير للتاريخ

ربط أزمة فلسطين بالسابع أكتوبر تشويه للحقائق وتزوير للتاريخ

عبد الحميد صيام، أستاذ دراسات الشرق الأوسط والعلوم السياسية في جامعة “روتغرز” في ولاية نيوجيرسي منذ عام 2007، وقبل ذلك موظفًا دوليًّا مع الأمم المتحدة مدة 25 سنة شغل فيها عدة مناصب في مكتب الأمين العام ومكتب المتحدث الرسمي، ومتحدثًا رسميًّا في الصحراء الغربية والعراق وباكستان وأفغانستان.

هذا المسار جعله ضليعا في ما يحدث في البيت الزجاجي بنيويورك، حيث حاورته “الشروق” عن الهون والعجز الذي أصاب الهيئة الأممية ومجلس الأمن في وقف المذبحة الفلسطينية في غزة لسنتين متواصلتين دون توقف.

**كيف تفسرون عجز مجلس الأمن، رغم طبيعته كأعلى هيئة لحفظ السلم والأمن الدوليين، عن إصدار قرار ملزم لوقف حرب الإبادة في غزة؟

مجلس الأمن عجز عن مواجهة التحدي الكبير في ما يجري في غزة وهو وقف المذبحة، المشكلة ليست في الآلية، المشكلة في الأعضاء، مجلس الأمن هو آلية تخدم الدول الخمس عشرة التي يمكن أن تُفعل هذه الآلية لتقوم بالدور المنوط بها وهو حماية الأمن والسلم الدوليين.

المفروض أن مجلس الأمن تكون هذه أولويته الأولى، هذه الآلية أنشئت من أجل المحافظة على السلام، حل النزاعات بالطرق السلمية، تقريب وجهات النظر، المفاوضات، الوساطة، ثم إذا عجزت كل الآليات السلمية ممكن أن ينتقل مجلس الأمن إلى فرض إرادته تحت ما يسمى الفصل السابع.

هكذا استمرت إسرائيل في حرب الإبادة بدعم أمريكي

غوتيريش يتحمل جزءا من المسؤولية

لماذا فشل في وقف في حرب غزة، لأن هناك دولة واحدة استخدمَت الفيتو 6 مرات لمنع المجلس من القيام بدوره وإعطاء إسرائيل الفرصة الكاملة للاستمرار في حربها الإبادية في غزة.

هنالك مخطط إسرائيلي واضح يريد أن يقلل عدد السكان في غزة قدر الإمكان، يريد أن يهجرهم، أن يستولي على الأراضي الفلسطينية، يريد أن يمحو قضية فلسطين من الوجود. يريد خلق كيان في غزة تابع له، وأمريكا تدعم هذا الكيان في هذا التوجه. هذا ما جرى، وبقيت أمريكا تردد السردية الإسرائيلية بحرفيتها، تتهم حركات المقاومة، وكأن الأزمة في فلسطين وإسرائيل بدأت في السابع من أكتوبر، هذا تشويه للحقائق وتزوير للتاريخ أيضاً، لأن الأزمة والنزاع مع الكيان بدأ منذ نحو قرن وخاصة بعد إنشاء الكيان سنة 1948.

** إلى أي مدى لعب “حق النقض (الفيتو)” دورًا في تعطيل أي مسعى لوقف الحرب، وهل ترون أنه أصبح أداة لإدامة النزاعات بدل حلها؟

حق النقض هي آلية تمتلكها الدول الخمس الكبرى لتعطيل أي عمل لا يتفق مع مصالحها. يُستخدم بطريقة انتقائية عندما ترى هذه الدول أن توجه الدول الآخرين في المجلس لا تخدم مصالحها، ولذلك تستخدم الفيتو.

روسيا استخدمته كثيرًا وأمريكا كذلك، والاستخدام الفرنسي والبريطاني والصيني قليل. الصين استخدمته في أزمة سوريا حيث كانت تسير في ظل الاتحاد الروسي، وكثيرًا ما تستخدم الدولتان حق الفيتو لوقف أي خطوة لحل الأزمة السورية.

لكن يجب أن نفهم أن الدول العشر الأخرى عليها دور؛ لو امتنعت عن التصويت في ما يريده الأعضاء الدائمون لا يمرّ أي قرار، لأنه لا يمكن لأي قرار أن يمر دون حصوله على تأييد 9 دول.

ففي حال غزة اتفق الأعضاء العشرة مرتين على طرح مشروع لوقف إطلاق النار- مرة في شهر جوان الماضي، ومرة في سبتمبر- الأعضاء العشرة تقدموا بمشروع لوقف إطلاق النار وإيصال المساعدات لغزة، ولكن أمريكا أَصْرّت على استخدام الفيتو.

وفي الحالتين، صوتت الدول الأخرى الدائمة العضوية إلى جانب الدول العشرة المنتخبة، هذا يدل على وجود قوة داخل مجلس الأمن يمكن أن تُفعَل هذا الدور، والدول المنُتخَبة العشرة يمكن أن تفرض إرادتها، لكن كل شيء تريده أمريكا أو على فرض روسيا يمكن تعطيله، لأنه لا يمكن أن يكون القرار نافذًا وشرعيًا إلا بتسعة أصوات إيجابية، وهنا مركز القوة للدول العشرة المنتخبة.

**هل فشل مجلس الأمن في حالة غزة يشكل سابقة قانونية أو سياسية تُضعف شرعية المجلس على المدى الطويل؟

هذه ليست المرة الأولى التي يفشل فيها مجلس الأمن لوقف العدوان أو وقف حرب معينة أو صراع بين دولتين؛ فشل كثيرًا. فشل في وقف المجازر في رواندا عام 1994، فشل كذلك في وقف المجازر في البوسنة سنة 1995 عندما ارتُكبت مجزرة سريبرينيتسا. وفشل في وقف الحرب في العراق عام 2003 لأن هناك دولًة عظمى تريد للحرب أن تحدث خارج إطار مجلس الأمن.

مجلس الأمن لم يتّخذ الموقف الحازم ولم تجد أمريكا تأييدًا من الدول الأخرى فذهبت وحدها للحرب دون مشورة أو موافقة من المجلس.

**برأيكم، هل تكمن المشكلة في نصوص ميثاق الأمم المتحدة نفسها أم في غياب الإرادة السياسية لدى الأعضاء الدائمين؟

أعتقد أن المشكلة في الطرفين، النص أيضًا صيغ بطريقة لئيمة وخبيثة، حيث تغيير أي بند في الميثاق يصبح أمراً شبه مستحيل.

البنود في الميثاق 105 و106 التي تتحدث عن أي تغيير داخل النص تتطلب أولا موافقة ثلثي الأعضاء ثم موافقة الدول الخمس الدائمة العضوية، وليس الممثلين الذين يمثِّلون بلادهم في نيويورك ولكن في برلمانات تلك الدول.

يعني التصديق وليس التوقيع، التصديق في برلمانات الدول الخمسة على أي تغيير يتم في الميثاق، وحصل مرة واحدة عندما ضغطت الدول التي دخلت الجمعية العامة في أوائل الستينيات وأجبرت الدول الخمس دائمة العضوية على أن يغيروا الميثاق ويرفعوا نسبة التمثيل من 11 عضوا، 5 دائمين و6 منتخبين، إلى 15، وبالتالي، ارتفع عدد الدول المنتخبة من 6 إلى عشرة، وصاروا أكثر تمثيلا لدول العالم النامي.

والآن هنالك دعوات لإصلاح مجلس الأمن ليصبح ممثلًا لعالم اليوم كما هو اليوم؛ هنالك قوى ذهبت وقوى نهضت، توزيع القوى في عالم اليوم لم يعد منعكسًا في مجلس الأمن. والدعوة لإصلاح مجلس الأمن موجودة منذ 1992 وحتى اليوم، ولكن لم يتم الاتفاق كيف يُصلَح مجلس الأمن لأن الدول الخمس دائمة العضوية لا تتقف عمن يدخل المجلس لتوسيعه. هنالك دول تريد البرازيل، دول تريد الهند، ودول تريد ألمانيا أو اليابان أو جنوب أفريقيا أو نيجيريا.

لكن لم يتم التوافق على زيادة عدد الأعضاء الدائمين وغير الدائمين، ولم يتفقوا على كبح جماح استعمال الفيتو لأنه أحد المشاكل التي تعاني منها المؤسسة الدولية.

لماذا تُعطى دولة واحدة مثل فرنسا أو بريطانيا وهي التي لم تعد دولة عظمى هذا الحق في أن تستخدم الفيتو وتُلغي كل ما يتفق عليه الدول الأخرى الأربعة عشر.

ما دام النص يقيد التغيير ومادامت إرادة التغيير غير متوفرة لدى الدول الخمس دائمة العضوية، ستبقى الأمور على ما هي عليه لسنوات قادمة لا نعرف متى.

الفشل الذي شهدناه في كيفية التعامل مع حرب الإبادة في غزة غير مسبوق لم نشهد مثلها، في رواندا كان هناك شهر أو شهرين من الجرائم الكبيرة وتوقفت، وفي البوسنة جرت المجازر بشكل متقطع لأربعة سنوات، لكن مذبحة سريبرينيتشا عام 1995 هي ذروة ما حصل في البوسنة.

ولكن ما جرى في غزة غير مسبوق، مليونٌين من الناس محاصرون منذ سنتين، يُقتَلون بالتدريج ويتم تدمير البنى التحتية وتجريف المستشفيات والمدارس والمعابد والطرق والمباني؛ شيء غير مسبوق.

هذا ليس فشلًا في موضوع اتفاقية الحماية فحسب، هو فشل للمنظومة الدولية والقانون الدولي لأن القانون الدولي واضح في وقف استهداف المدنيين. هناك اتفاقية جنيف الرابعة لم يتم احترامها. هناك قرارات في مجلس الأمن لم يتم احترامها. هناك قرارات للجمعية العامة اتُخذت؛ مجموعة من القرارات لوقف الحرب.

القرار الأول للتصويت لوقف الحرب كان في أكتوبر 2023، وصوّت عليه عدد قليل (120 دولة)، ثم تم التصويت في نفس السنة في ديسمبر وصوّت 152 دولة، لأن الناس اكتشفت أن هدف إسرائيل ليس معاقبة حماس على 7 أكتوبر فقط، بل تدمير القطاع بأكمله وإبادة سكانه من نساء وأطفال وشيوخ. هذا ما اكتشفه العالم ولكن لم يتم وقف هذه المجازر. هذا فشل للمنظومة الدولية، فشل لمجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية التي أصدرت مجموعة إجراءات احترازية سريعة لم يتم احترامها، وفشل للجنائية الدولية التي عجزت عن إصدار مذكّرات توقيف، واكتفت بإصدار مذكرتين اثنتين فقط.

وهنا نطرح السؤال، هذه الجرائم من يرتكبها؟ مازال هذان المجرمان يواصلان ارتكاب الجرائم والمحكمة مغمضة عينيها. يجب أن يكون عدد من توُجه لهم التهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بالآلاف الآن، لأن كل القادة والطيارين والمسؤولين عن إرسال المسيرات وقادة المدرعات المدرعات كلهم يرتكبون هذه الجرائم.

هذه المحكمة فشلت فشلًا ذريعًا؛ أعتقد أن الفشل غير مسبوق، ويجب أن يُعاد النظر في كل منظومة القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة. وعندما تتوقف حرب إبادة يجب أن تكون حركة داخل الجمعية العامة وتكتلات جديدة لإعادة النظر كيف يمكن تعطيل كل هذه القوانين والآليات، ويُترك شعب اعزل يُذبح أمام أعين الناس، هذا غير مسبوق وغير معقول وهو أقرب للسريالية إلى الواقع.

**ما هي حدود مسؤولية الأمين العام للأمم المتحدة في ظل هذا الشلل، وهل كان بالإمكان أن يتخذ مواقف أقوى أو خطوات بديلة؟

في رأيي الأمين العام يتحمّل جزءًا من المسؤولية ليست المسؤولة كلها، لأنه هو كبير إداريي المنظمة الدولية وله وزن معنوي كبير وثقل.

بالفعل في 7 ديسمبر 2023 اتخذ خطوة شجاعة ونادرة عندما فعَل المادة 99 بشأن حرب غزة، والمادة هي إطلاق تحذير من الأمين العام ينبه المجتمع الدولي إلى أن هناك قضية عاجلة تستوجب الانتباه السريع. هي عملية ضغط على الدول الخمس عشرة التي تشكل مجلس الأمن فاستَخدم نفوذه لمنع هذه الكارثة الإنسانية.

وإذا ذكرنا أنه في ديسمبر عندما أطلق هذا النداء لم يكن عدد الضحايا يزيد عن 16،500 الآن أكثر من 65 ألف قتيل رسميًا دون الحديث عن المصابين والمفقودين، وما يزال الأمين العام يراوح مكانه ويكرر مثل الببغاء “لا شيء يبرر 7 أكتوبر” و”لا شيء يبرر ما يجري في غزة”؛ تحت الضغط الإسرائيلي أصبح دائمًا يردد البداية من 7 أكتوبر.

مرةً واحدة قالها في مجلس الأمن في 24 أكتوبر 2023 عندما قال إن 7 أكتوبر لم تأت من فراغ، وقامت الدنيا على رأسه، واتهمته إسرائيل أنه منحاز وطالبه سفيرها آنذاك جلعاد أردان بالاستقالة، ومنذ ذلك الوقت لم يعد يكرر ما قبل 7 أكتوبر.

ما فشِل فيه الأمين العام أنه لم يصف ما يجري في غزة بحرب إبادة، ونضغط عليه يوميًا لماذا لا تسمي ما يجري في غزة حرب إبادة، وكل المنظمات الدولية والإنسانية تسميها حرب إبادة حتى منظمات “بتسليم” الإسرائيلية تؤكد أن ما يجري حرب إبادة، لكن الأمين العام لم يستخدم المصطلح ويكرر أنه ليس مخولا أن يقول إنها إبادة أم لا، بل يقول إن محكمة العدل الدولية هي من تقرر، وننتظر المحكمة سنوات حتى تقرر وهذا غير مقبول، وفي تقرير اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان المعنية بالفلسطينيين والقدس الشرقية واسرائيل قالوا علنًا “لا ننتظر، إنها حرب إبادة”، لكن الأمين العام يصر على ألا يسمّها حرب إبادة.

كل الأدوات خارج مجلس الأمن —الجمعية العامة— اتخذت قرارات، ومحكمة العدل اعتمدت ثلاث مجموعات من الإجراءات المستعجلة، وإسرائيل لم تصغِ لهذه القرارات. المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرة اعتقال لاثنين فقط: نتنياهو وغالنت، مجلس حقوق الإنسان قام بدوره، المقررة الأممية في الأراضي المحتلة فرانشيسكا البانيزي وهي أشجع الرموز الدولية في تاريخ الصراع التي أقرت أن هنالك حرب إبادة.

وكل هذا لم يجدي نفعا، هنالك أمر ناقص هو الموقف الفلسطيني العربي الإسلامي، زائد الدول الداعمة أن تأخذ مواقف وتتخذ إجراءات عقابية وليس بيانات، ما جرى في الدوحة بيان هزيل.

**في ضوء هذا العجز، كيف يمكن حماية الشعب الفلسطيني من استمرار الانتهاكات، وما هو الدور العملي الذي يمكن أن تلعبه المنظمات الإقليمية أو الدول المستقلة عن نفوذ القوى الكبرى؟

حماية الفلسطينيين واضح أنها غير ممكنو، من وجهة نظري أن من يوقف المذابح هو موقف عربي مدعوم بموقف فلسطيني، يجب على القيادة الفلسطينية أن توحد كلمتها وأن يكون هناك صوت واحد للفلسطينيين، ولا يجب أن يبقى جزء يُطبع مع الكيان ويتعامل معه أمنيا، وجزء آخر يُذبح.

لم يحدث ذلك من قبل؛ في كل الثورات تكون هناك قيادة واحدة وبرنامج واحد. هذا غير متوفر لدى الفلسطينيين.

دول الجوار تتحمل جزءًا من المسؤولية لديها علاقات مع الاحتلال، وضمنت أن تبقى العلاقات التجارية مع الكيان مستمرة ودون وجل أو خوف. كذلك الدول المطبعة الأخرى المبادلات التجارية ارتفعت لتصل إلى 14 مليار دولار مع ست دول عربية.

الموضوع الآن يجب أن يطرح على مستوى وطني فلسطيني ويجب إنشاء جبهة إنقاذ وطنية تتعامل مع الموضوع بصوت واحد. كثير من الدبلوماسيين يقولون “يجب أن تتحدوا” لكن هل يتوحد الشعب الفلسطيني على أرضية أوسلو الكارثية، أم على أرضية المقاومة ودعم الشعب الفلسطيني في الصمود ومقاومة الاحتلال، والعمل مع الأصدقاء والشعوب لتغيير موازين القوى لصالح الفلسطينيين، دون ذلك ستستمر المجازر وتمتد إلى الضفة وسوريا والأردن ولبنان.

يجب إعادة النظر في قضية الأمن القومي العربي وهو ما طرحه الرئيس تبون في مؤتمر القمة في 2022. يجب أن يكون لقاء حول الأشياء المشتركة ويجب التوصل إلى اتفاقية عربية يتبادل فيها العرب مراكز القوى، والقوى الناعمة، والقدرات العسكرية والطاقة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!