رجاء الشفاء..مرضى يتعلقون بالأعشاب و يشربون ماءها!
لوحات سيارات تحمل أرقام ولايات عدة من الوطن، سيول بشرية متدفقة من كل حدب و صوب، و صيت ذاع فبلغ أسماع أقاصي الناس بأن هنا في إحدى سراديب الأحياء المغمورة في “حمادي” تزاول عجوز مهنة العطارة، و أن الله جعل على يديها الشفاء من أكثر الأسقام قساوة و أشدها وطأة على المريض و أكثرها عصيّا على الشفاء… تبدو هذه المعطيات كافية للغاية لعليل أعيته مشارط الأطباء و لم تنفع معه وصفات صيدلاني ولا حتى رقية إمام تقي، ألا يقال أن الغريق يتعلق بقشة ؟ فماذا لو كان ذلك الغريق هو جسد بشري جعل المولى الضعف أساس خلقه و تكوينه و كانت القشة لمسة سحرية من يد عجوز بلغت من العمر عتيا فحيكت حولها حكايات مقارعتها أعتى الأمراض بغسلة صابون أو بحفنة ملح ؟
بعيدا عن أدوية الأطباء و رقية الأئمة .. هل تداوي ” خالتي زوينة ” ما عجز عنه طبيا؟
قد لا تعود في بعض الأحيان الوصفات الطبية و الأدوية بنتيجة تذكر، فيكون أمام المريض طريق آخر للإسشتفاء، عادة ما يكون التوجه فيه نحو الرقية الشرعية، على اعتبار أن الداء لم يتبين له سبب عضوي واضح، فيكون التداوي بكلام الله خطوة مستحبة و لا بد منها في هذه الحالات، غير أن هناك من المواطنين من يقصد فئة لا تنتمي لا إلى الأطباء ولا إلى الرقاة الشرعيين، حيث تسلك هذه الفئة خاصة المثقفين منها نوعا آخرا من السبل بهدف الإستشفاء وهو ما وقفنا عليه في رحلة قادتنا لحي مغمور بنواحي مدينة “حمادي” بالعاصمة..
المجتمع الجزائري مجتمع حكواتي لا يؤمن بالنظريات العلمية كثيرا ولا حتى بقواعد المنطق لما يتعلق الأمر بصحته، فعند هذه النقطة تحديدا تنسف كل قواعد الطب الحديث و المعاصر إن لم تأت بفائدة ، لتفسح المجال لأساطير حول قدرات فائقة لفلان أو فلانة في مقارعة أعتى الأمراض المزمنة منها و حتى الخبيثة، فيكون مجرد السماع عن هؤلاء بصيص أمل يسعى سامعه بكل ما أوتي من جهد و مال للحصول على عنوان و موعد قد يأتي بعده الفرج و يكتب على يديه الشفاء، و لاتستغربوا إن كانت فئة من المثقفين و ذوي المناصب الفاعلة في المجتمع من أولى زبائن و مريدي أصحاب الطرق التقليدية في العلاج الذي نصطلح على تسميته كجزائريين ب ” دوا العرب “..
الأطباء ينصحون..إحذروا.. التداوي بالأعشاب غير مضمون!
يرى الدكتور “رضوان بن عمر” أخصائي أمراض الكلى أن لجوء المريض لمثل هذه الأماكن قصد العلاج يكون بسبب عاملين رئيسيين: أولها أن الطبيب المعالج لا يقنع المريض من حيث قدرته و كفاءته العلمية أو من حيث إمكانياته المادية أو حتى الإستقبال و الإرشاد، و هو ما يدفع المريض عادة للبحث عن بدائل أخرى ، أما العامل الثاني فيتعلق بثقافة الإنسان و الطالب للعلاج الذي تكون ثقافته الدينية و الإجتماعية محدودة حتى و إن كان متحصلا على أعلى الشهادات الجامعية .
أما عن المضاعفات الناتجة عن اللجوء إلى هذا النوع من العلاج، فيؤكد ذات المتحدث أنها قد تصل إلى حد الإصابة بأحد أنواع السرطان : ” عادة لما يسمع المرضى بوجود أمثال “زوينة” يتوقفون عن أخذ الأدوية التي وصفها لهم الطبيب المعالج و هو ما يتسبب في حالات معينة في الإصابة بالسرطان، كما أن الأدوات غير المعقمة المستعملة من طرف هؤلاء قد تتسبب في الإصابة بحالات مرضية مستعصية جراء الجراثيم و الأجواء المساعدة على تكاثر مختلف أنواع البكتيريا “.
أما رئيس عمادة الأطباء الجزائريين “بقاط بركاني” فيرى أن التداوي بالأعشاب غير مضمون و قد تكون له مضاعفات فتاكة، خاصة و أن مضاعفات ناتجة عن الزكام فقط يمكن أن تودي بحياة الفرد، فما بالك بتلك الناتجة عن الٳستهلاك العشوائي للأعشاب!
بين الطب الأصيل و الطب البديل … علاج خالتي “زوينة” هو الدليل!
عند هذه العجوز التي تقدم بها العمر، لم نجد طبا بديلا و لا حتى طبا أصيلا، فعلى خلاف الكم الهائل من الزوار -خاصة منهم المثقفين – و الصيت الذي يسبقها في مقارعتها للأمراض سيما المستعصية منها، لم نجد عند ولوجنا ذلك البيت المبني بالطوب و الحجارة ما يوحي فعلا بأن المكان مخصص للإستطباب، فعلى رحابة البيت و سعته إلا أنه ضاق بمجموعة من ” لوازم الشغل ” التي أحاطت بالعجوز ” المعالجة ” في غرفتها والمتمثلة في بعض من قطع الصابون، مشط أسنان شبيه بأسنان الكباش و الخرفان، حزمة خرّوب، كومة ملح كبيرة، كانون به نار موقدة و قضيب حديدي و شفرة حلاقة أمامها قنينة ماء معدنية مقسومة إلى نصفين و غيرها من الحشائش و النباتات، تبيّن فيما بعد أن قطع الصابون مثلا كانت تدلك بها العجوز ” المعالجة” صدور مرضى الربو، أما القضيب الحديدي فكانت تسخنه على الكانون و تكوي به أصحاب مرض الصداع و الكلى و البواسير، فيما بدى من خلال سؤالنا لإحدى ” الجامعيات ” المتواجدات قربنا و التي كانت بإنتظار دورها أن شفرة الحلاقة و قنينة الماء كانتا بغرض إستعمالها في الحجامة
و ” تشليط ” المرضى الذين يعانون أمراض مزمنة مختلفة.
” أمراض العصر سببها نفسي “
ما يحز في النفس أن عينتنا لهذا الموضوع كانت من فئة المثقفين و النخبة التي من المفروض أن تقود غيرها نحو الأحسن و الأصلح، أما أن تكون هي رائدة مثل هته الأمكنة فهذا ما دفع بنا لسؤال الدكتور “يوسف حنطابلي”، أخصائي تدريس علم الإجتماع بجامعة الجزائر عن الظاهرة، و الذي ردها إلى عدة عوامل منها التاريخية التي تعود إلى العهد الإستعماري الذي ساد به تصور مفاده أن الطب الحديث مقتصر على ثقافة المستعمر و بالتالي كان ينظر إلى مريديه على أنهم قابلون بثقافة ووجود المستعمر في البلاد، كما أن هناك تصورا سائدا في المجتمع يشمل حتى فئة النخبة و المثقفين مفاده أن الأمراض التي تستعصي على الطب الحديث لا تعالج ٳلا بالطرق التقليدية، خصوصا و أن معظم الأمراض التي تصيب الإنسان في عصرنا مردها إلى أسباب نفسية و ظغوطات إجتماعية أكثر منها عضوية، فيكون هذا النوع من التداوي بديلا روحيا يستهوي حتى الفئة المثقفة بإعتبارها جزءا من المجتمع وخاضعة للثقافة السائدة فيه، و يضيف الدكتور “حنطابلي” : ” الأدهى أن نجوم الفن و السياسة و الثقافة الأجانب يتوافدون من حين لآخر على أمثال الحاجة “زوينة” خاصة إذا خبروا نتائج فعالة منها و هو ما يعطي حافزا إضافيا لدى غيرهم.. فإذا سادت ثقافة الأغلبية غير الواعية إنتشرت مظاهر عينتها ” الحاجة زوينة ” كظاهر كان باطنه أعظم”.