-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رحلة إيمانية في مقاصد الحج

الشروق أونلاين
  • 3458
  • 12
رحلة إيمانية في مقاصد الحج
الأرشيف

حدثني والدي فقال: ارتفع نداء الحق، فهوت الأفئدة، واستجابت الأرواح الطاهرة مسرعة إلى بيت الله الحرام بدعوة إلهية خلقت في الأنفس شوقا وهمة، وانبعاثا، ردد والدي “لبيك اللهم لبيك” فرددت القول بعظمة جل جلاله، نعم لقد هيأ الله لخليله إبراهيم عليه السلام التعرف على مكان البيت العتيق ليقيمه مثابة للناس وأمنا.

اسمع يا ولدي إياك والحقد والبغضاء ونقض العهود مع الله، واعلم علم اليقين أنه من المسلم به أن سنة الله من ملكوت خلقه منذ وجود الإنسان في هذه الحياة الدنيا أنه خطاء، فكان حظه من الخطأ، فهناك فرق بين الخالق والمخلوق فالكمال لله وحده، والإنسان ترتابه عوائق جسمية فأولها هي نفسه التي بين جنبيه مولعة بالشهوات والهوى تتجاوب معها النفس فيهوى في محكم قوله تعالى “وما أبرئ نفس إن النفس لأمارة بالسوء”. 

وثانيها ياولدي زخرفة الدنيا وغرورها فإذا تملكت في قلب الإنسان أذهبت عنه عقله وأفسدت عليه دينه بالرياء والتفاخر فيصبح عبدا أسيرا لها ذليل النفس في داخله، مغترا في ظاهره يظهر ما لا يبطن كما جاء في الحديث النبوي تعس عبد الدينار، تعس وانتكسى.. وثالثها الشيطان الذي يزين دائما لضعاف الإيمان الخبائث فضائل، والأضغان خلق” والشر خير، والتكبر والاحتقار عدل، والرياء خلق ساميا كما جاء في قوله تعالى “إن الشياطان لكم عدو فاتخذوه عدوا”. 

يا بني اصغ بقلبك وحسن سمعك، إن رحمة الله بعباده وعفو منه أن يخسروا ديناهم وأخراهم ويشتد عليهم اليأس والقنوط فقد فتح أمامهم أبواب التوبة، وفعل الطاعات التي تسمو بهم إلى العليا، وتحيي في نفوسهم محبة الله جل وعلا وإن من أعظم العبادات التي خصها الرحمان بالعبادة المكفرة للذنوب والمعاصي وقبول التوبة فيها بعد معانقة أسوار بيت الله الحرام، إنها فريضة الحج التي تجمع المسلمين من مختلف الأجناس ومن شتى بقاع المعمورة على موعد مع سبك العبرات في باحة الكعبة المشرفة والحجر الأسود، على موعد مع الطواف بأول بيت وضع للناس للذي ببكبة مباركا، موعد مع الصفا والمروة من شعائر الله، على موعد ركعتي خلف مقام إبراهيم، على موعد مع الوقوف بعرفات في مكان فسيح انمحى فيها كل شيء، وزالت آثار الدنيا، قلوب تبتهل إلى السماء نفوس تصيح من أعماقها يا الله يا الله، وجوه بللتها الدموع طالبين العفو والغفران، إنهم على موعد مع شد الرحال إلى مقام الحبيب المصطفى والروضة المطهرة موطن الإجابة، إنهم على موعد مع اللقاء العالمي في هذه البقاع المقدسة يشهدوا منافع لهم وقد خلصت نواياهم، وتظهرت أنفسهم، وزالت أحقادهم، جمعتهم كلمة التوحيد، وامتلأت قلوبهم بالإيمان والتقوى وأجسامهم وأرواحهم بالصبر والامتثال لأمر الله وأحكامه. 

يا بني أدرك قولي الإسلام دين اجتماع يعني بتربية النفس، وتقوية الجسم، وتعزيز الروح الجماعية والسامي بقيم مدرسة مكارم الأخلاق ويا سعد من توسم بوشاح هذه المدرسة التي تلتقي فيها جميع الفضائل السامية التي وعد الله عباده بالاستخلاف في الأرض والتمكين فيها. 

يا بني إن مدرسة الحج تتطلب من الإنسان استحضار قلبه بنية خالصة لوجه الله لا رياء فيها، وبدنه وماله، بحيث يكون الاختبار شاقا والامتثال واضحا. لأن الدلالة العظمى من الحج هو تكفير عن الذنوب والتعود على الصبر في القيام بالأعمال من سفر وبذل جهد ومعاناة وغيرها وعلى قدر صبر الإنسان واحتماله يكون قبول عبادته، فانتقال الإنسان من حيث مكان الراحة الظاهرية حيث تحيط به الخيرات في بلدته إلى موقع آخر يجهد فيه الإنسان نفسه جهدا كبيرا، إلا أن البعض يغفل عن الراحة الروحية النفسية المتعلقة بمعارج العلياء الإلهي.

إن الحج عبادة إلهية وحكمة بالغة يوجب منا الإيمان المطلب بالحكيم العليم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وبالتالي الامتثال لله سبحانه وتعالى الذي أمرنا بأداء هذه الأعمال من دون أن نعلم ماهية الحكمة الإلهية من ذلك، لأن حقيقة الامتثال هو الخضوع في القيام بالطاعات مع الثقة المطلقة في الأمر والآمر وذلك ميزان تقوى العبد الصالح، لأن الأعمال إذا ظهرت حكمتها وثمرة نتائجها فإن الإنسان يندفع إليها بلهف شديد لاقتناعه التام بمردودها الواضح، أما الأعمال التي لا تظهر دواعيها للإنسان، فإنه يعملها استجابة للأمر وللآمر الموثوق به.

يا بني رسلك علي إن الإنسان يتحمل المشاق في ميدان الحج وهو لا يدري ولا يعلم الحكمة التي جعلته يستجيب ويرضى بتأدية هذه الأعمال وليس أمامه إلا شيء واحد يرتجيه وهو طلب الرضا من الأمر الموثوق به. فالدافع الأساسي هو محض خالص عبادة الله وحده دون أن يفهم الإنسان حكمتها، من أجل هذا سميت شعائر اتسمت بالإخلاص مصداقا لقوله تعالى “ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب”

من هذه الفجاج السرية في حكيمة الحج ومقاصده الكبرى هو الامتثال للأمر الإلهي والصبر على التحمل، فالحاج، يستوجب عليه بالزاد القوي تقوى القلوب والصبر العظيم لينال بعد توفيق من الله في آخر الأمر أجر الفائزين.

ومن حكمته رمزية المساواة لا تمايز في مظهرهم الحاكم والمحكوم، الغني والفقير، فالكل في خضوع للقاهر الديان الوحدانية لله جل وعلا التي ضمت جميع الخلائق تحت ظلالها فطوبى لمن تنسّم بها.

إن مما لا شك فيه على الإطلاق أن هذا المؤتمر الإسلامي السنوي في أطهر بقعة على وجه الأرض تحت إشعاعات الأنوار الإلهية تغرس مبادئ المحبة والتآخي والسلام بين مختلف الأجناس على اختلاف ألوانهم دون تفرقة، فيا ليت الدول الإسلامية راعي ورعية يدركون هذا المعنى الجليل لمقاصد الحج ويسارعون إلى هذا الفيض الرباني ليتعاون الجميع على نبذ الخلافات والحساسيات في بيت الرحمن، في بيت خشعت فيه القلوب وسمت فيه الأرواح، ونادت الألسنة لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك ـن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.

*زاوية بلعموري/ مكلف بمهمة رئاسة الجمهورية

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
12
  • بدون اسم

    شكرا.. عمري كله وأنا أتلو سورة الأنبياء بكل تدبر وأقف بإحساس عميق عند دعاء
    كل نبي عليهم السلام وما حصل لهم من ابتلاءات، لكني لم أنتبه أنهم يسارعون
    لفعل الخيرات وليس لطلب الخيرات كما ظننت.
    ما أركز عليه دوما هو محاولة تكفير سيئاتي بكثرة الإستغفار ومساعدة الغير
    لأني أدرك أن هناك من الذنوب ما يحجب الدعاء
    ربي يغفر لنا ويعف عنا ويرحمنا آميـــــــــن

  • نورالدين

    قاعدة قرءانية محكمة ! الدعاء بمعنى طلب الحاجة من الإله تعالى يستجاب بشرط ذكره الكتاب
    {أمن يجيب المضطر إذا دعاه و يكشف السوء} 62 النمل
    {و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ...}186 البقرة
    الأماني لا توجد في القرءان فقط الوعود بشروط : إن تنصروه ينصركم ، إن تغيّروا ما بأنفسكم
    يغيّر من حالكم ... و هذه الشروط ذكرت : {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات و يدعوننا رغبا و
    رهبا}90 الأنبياء قال : في الخيرات و ليس إلى الخيرات أي هم في العمل الصالح المطلق !
    كلمة دع لها

  • Marjolaine

    أسرب القطا هل من يعير جناحه ـــــــــ لعلي الى من هويت أطير
    إشتعل فينا الحنين ولا ندري إن كانت شفاهنا ستلثم تربته

  • Marjolaine

    ..ليتك أطلت فكل ما قلته رائع ومعلومات ثمينة لم أنتبه لها
    وبهذا الوقت بالذات كنت أحوج لها ولم أنتبه لأمور كهذه
    وأكثر ما أثر فيّ أن الدعاء يجب أن يكون فيه الإلحاح واتخاذ الأسباب

    عودة ميمونة

  • Marjolaine

    أسلوب رائع للوعظ على طريقة سيدنا لقمان الحكيم
    وعلى طريقة إمامة بنت الحارث في وصاياها لابنتها
    جعله الله في ميزان حسناتكم

  • نورالدين الجزائري

    أما ما نراه اليوم من مفاهيم شرعية عند الكثير من الحجاج هي لغط ! كيف لي أزور بيت ربي و أنا أشاجر في العباد ذهابا و إيابا من الصعود إلى النزول في الطائر و مصاعد الفنادق ! كيف لي أن أحج و الله تعالي قال لي: عبدي تعالى إليّ و جرد نفسك من كل شيء ! حتى إسمك تتركه في بلدك تنادى هنا: يا حج ! و كيف لي أن أحج و الكعبة دائر بها البازارات و محلات الذهب الأحمر الدبيّ ! كيف نفهم و نعلم و نفقه حجاجنا أن الحج ليس قماش الهند و لا ألبسة النساء التركية و لا ذهب دبي الأحمر بل هو صورة مصغرة للدنيا و يوم القيامة ؟!!!

  • نورالدين الجزائري

    الدعاء يستجيب لما نستجيب لأمر ، أ/ا أن يأتي هكذا : باطيلوس ؟!! لا ! و كلمة : السعيّ تعني في مهم و هدف أريده عكس الطواف الذي يعني أريد بإلحاح أمر ما من خالق سبحانه و أنا بالقرب من بيته ! السعيّ فيه العمل و الطواف فيه الدعاء ، يبقى رمي الجمرات و ليس كما يظن الناس رجم الشيطان ! الشيطان ما هو إلا جزء يسير من الجمرات التي ترمى : و ما رميت إذا رميت و لكن الله رمى ! يعلمنا القوة و الطاقة و الإرادة و عند الرمي و ليس الرجم ! نقول الله أكبر ! يبقى الوقوف بعرفات له حكتمه البالغة ...لا أطيل ...... الحمدلله

  • نورالدين الجزائري

    و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار : هو رأس مال المسلم و زاده للآخرة ! السعيّ بين الصفى و المروة : يعلمنا العمل و الحركة و لا ندعوا الله تعالى بدون أن نتسبب بالأسباب ، مثل ما عملت أم إسماعيل 6 أشواط بقدر 2800 متر هو مبلغ و قوة إمرأة في حال هذه الأم ، بعدها جلست إلى رضيعها و من تحت قدميّه إنفجر ماء زمزم ! الفرج يأتي من حيث لا تحتسب ، ليس أن نجلس في المقاهي و الطرقات ثم ندعوا بالنصر أو الفرج و لم نقدم أي عمل و سبب ، الله تعالى علمنا في كتابه أنه يستجيب : للمضطر إذا دعاه ، و المضطر هو الذي نفذت لديه

  • نورالدين الجزائري

    في الحج ! الطواف بالكعبة تشعرك عظمة ما بعدها عظمة ! نحن لا نترك الكعبة على شمالنا بل الكعبة ـ بيت الله تعالى ـ هو الذي يضعنا على يمينه تشريفا و تقديرا بضيوفه ! و كلمة الطواف تعني : الإنطلاق من نقطة محددة و الورجوع إلى نقطة محددة ، الطواف يعني الدوران بإستمرار على أمر ما تريد من شيء ما ، مثل الطفل الصغير يدور على أمه من أجل حلوة أو ألعوبة ، و لله المثل الأعلى ، فالطواف: الإلحاح الشديد أقرب بيته! مع الله تعالى فالدعاء فيه غالي و عالي جدا ! كان عليه الصلاة و السلام يقول : اللهم أتينا في الدنيا حسنة

  • نورالدين الجزائري

    أقصى الأدب و الأخلاق كضيوف عند مَن ؟ عنده سبحانه ! الحكمة الثانية هي: الميقات و الإحرام تبدأ تهيء نفسك يا أيها الحاج قبل الوصول إلى الحرم بــ : لا رفث لا فسوق لا جدال لا كسر غصن لا قتل ذبابة ... ! نتأدب مع الإنسان و الدواب و الجماد ! و هذا يدل أن أول محمية في العالم علمنا إياها الإسلام منذ أكثر من 14 قرنا! و لباس الإحرام يعني أننا جميعا متساويين و يدرك الإنسان أنه لا يساوي شيء سوف يلقى ربه يوم القيامة على هذه الهيئة لا تغرنك الألبسة الفاخرة و السيارة الغالية كل ثمين و غالي يُنزع منك كما هو حالك

  • نورالدين الجزائري

    مقاصد الشرع في الحج !
    الكثير من المسلمين لا يدرون مقاصد الحج و حكمته البالغة جدا جدا ، الحج ركن خامس يبدأ أدائه من الأشهر المعلومات ، بمعنى التهيئة له يكون منذ زمن بعيد ، لما لا نتسائل أن الحج عنوانه : لبيك اللهم لبيك و هو إستجابة لدعو ما ، في لسان العرب كلمة : لبيك تعني : سمعا و طاعة للدعوة ، و لهذا الحجاج يسمون بــ : ضيوف الرحمن ! لابد على الحاج أن يستشعر هذا الأمر العظيم و هو ضيف عند ربّ العزة ؟ لو أدركنا ذلك لما بدأنا بالشجار لأول وهلة من الصعود في الطائرة و كيف ذلك و نحن ضيوف لابد أن نبدي

  • محمد

    قد فعلنا و عدنا و الى ربنا تبنا