رسالة أبو عمار!
عندما نعلم أن أكثر من ألفي مؤتمر فتحاوي قد دخلوا بيت لحم لانتخاب قيادتهم ومراجعة سياسة حركتهم، بموافقة وتأشيرة إسرائيلية، وأن خروجهم من هذا المكان لن يكون إلا كذلك، ندرك أن المؤتمر السادس لفتح لن يقدم للقضية الفلسطينية سوى المزيد من التنازلات ولن يخرج للفلسطينين والعالم سوى بقيادة فتحاوية أكثر تقاربا مع الكيان الغاضب وأكثر بعدا عن العمق الفلسطيني وبخاصة الجرح الغائر في غزة.
-
لقد أعلنت السلطات الإسرائيلية أنها ستعتقل خمسة من الفتحاويين المؤتمرين حال خروجهم من بيت لحم، بحجة أنهم كانوا قياديين سابقين في “سرايا القدس” الجناح المسلح لحركة فتح، عندما كانت فتح فتحا وعندما كان عرفات يحكم قبضته على قواعد اللعبة حتى مات محصورا، مقهورا، مسموما، بأيدي محيطه ومقربيه.
-
المشكلة ليست في حضور أو غياب قيادات فتح المقيمة في غزة إلى المؤتمر، ولا في تأثير هذا الغياب على التقارب بين حماس وفتح، ولا في تلويحات وتهديدات فاروق قدومي، ولا في اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية، لأن كل ذلك مجرد تفاصيل لخارطة جغرافية وسياسية تحكم إسرائيل قبضتها على كل مفاصلها، إلى درجة أنها هي من يوافق ويؤشر على قوائم مؤتمري فتح ويسمح لهم بالدخول، فيما عدا بعض الأسماء التي تعتقد إسرائيل أنها تشوش على رفاق عباس ودحلان والرجوب، وتحول دون إفراز قيادة فتحاوية تحمل عنوانا عالميا مغشوشا ومسموما يقول “قيادة أكثر قبولا من المنظومة الدولية”، وطبعا المقصود هنا بالمنظومة الدولية محاور الرباعية التي تدور في فلك إسرائيل ومصالحها الاستراتيجية…
-
ربما كان خطأ من حماس أن تمنع فتحاويي غزة حقهم في حضور مؤتمر حركتهم، وربما هي تزيد جماعة دحلان بهذا المنع قوة وحجة، وربما لدى فاروق قدومي حسابات شخصية يضيفها مع رفاق عباس بعد التهميش الذي طاله لسنوات، وربما ستخيب قيادة وتوجهات فتح الجديدة آمال الحماسيين ومن في صفهم، لكن المشكلة ليست في هذه الجزئيات التي تملأ نقاشاتها الفضائيات، رغم إنعكاسها المباشر على الحوار الداخلي ومستقبل العلاقات بين حماس وفتح، بل المشكلة الأساسية تدور حول غياب المرجع الذي يمكن أن يحتكم إليه الفلسطينيون، إذا تناصروا واختلفوا وكان أجدر بالفتحاويين توجيه جهد المؤتمر السادس نحو إصلاح منظمة التحرير، بما يجعل لها كلمة مسموعة بين كل الفصائل، وليس الغرق في بركة من الماء بحكم سيطرة العدو على مصابها ومنابعها..
-
كان المرحوم عرفات ذاك المرجع الذي حتى وإن خالفه الحماسيون إلا أنهم ينقادون إلى حكمته في تسيير الوضع القائم، ببساطة لأنه كان يحمي المقاومة بيد، ويفاوض باليد الأخرى، ولذلك كانت له مشاكل بالجملة مع الأنظمة العربية المسترسلة في التطبيع، لعل الطريقة التي مات بها الرجل وحدها تكفي لكشف حاجة الفلسطينين اليوم إلى مرجع مستوعب لمعادلة “غصن الزيتون والسلام قادر على وقف الاقتتال الداخلي على الأقل قبل الحديث عن أي مؤتمرات”.
-
لعل إحياء وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية بطرق توافقية هو الطريق الأقرب إلى التقارب ومادون ذلك مجرد استثمار في الخلافات وتغذية للطموحات الفردية والأطماع الاستيطانية.