رضا النّاس غاية لا تُدرك ورضا الله غاية لا تُترك
يَروي عليّ بن موسى العنسيُّ المغربي (ت 673هـ) متمِّم كتاب “المُغْرِب في أخبار المَغرب” أنّ رجلاً مِن عُقلاء الناس كان له ولد، قال له يوماً: يا أبتِ ما للناس ينتقدون عليك أشياء وأنت عاقل، ولو سعيت في مجانبتها سلمت من نقدهم؟، فقال: يا بني إنك غِرّ لم تجرّب الأمور وإنّ رضا النّاس غاية لا تدرك وأنا أُوقِفك على حقيقة ذلك. أحضر حماره وقال لولده: اركب هذا الحمار وأنا أتبعك ماشياً، فبينما هما كذلك إذ قال بعض النّاس: انظروا ما أقلّ أدب هذا الغلام وما أعقّه، يركب ويترك أباه يمشي خلفه!. فقال الوالد لولده: انزلْ لأَرْكَبُ أنا وتمشِي أنت خلفي، وبينما هما كذلك إذ قال بعض الناس: ما أقلّ شفقة هذا الرّجل، يركب ويترك ابنه يمشي خلفه!. فقال الوالد لولده: اركب معي، فبينما هما كذلك على ظهر الحمار إذ قال بعض الناس: أشقاهما الله تعالى! ما أقلّ رحمتهما!، يركبان معا على ظهر هذا الحمار المسكين، وهنا نزل الاثنان من على ظهر الحمار وتركاه يمشي أمامهما، وبينما هم كذلك إذ قال بعض الناس: لا خفّف الله تعالى عنهما، تركا الحمار وجعلا يمشيان خلفه! وهنا قال الوالد الحكيم لابنه: يا بني، ها قد سمعت كلامهم، وعلمت أنّ أحداً لا يسلم من اعتراض النّاس على أيّ حال كان.
رضا النّاس غاية لا تدرك، حقيقة من أجلى الحقائق التي لا تكاد تخفى على أحد، وبخاصّة في هذا الزّمان الذي ابتلي فيه كثير من الناس بالفراغ والعطالة، فقست القلوب، وانطلقت الألسن كالسياط تفتش عن النقائص والعيوب، لم يسلم من سياط الألسن مَن خالط الناس ومن اعتزلهم، لم يسلم منها غني ولا فقير. كبير ولا صغير. جاهل ولا عالم. عاطل ولا عامل. متزوج ولا عَزِب. بشوش ولا عابس. شحيح ولا سخي. جبان ولا شجاع.. لكنْ لعلّنا لا نبالغ لو قلنا إنّ أكثر الناس في هذا الزّمان ومع علمهم بأنّ إرضاء الغير غاية لا يمكن إدراكها، لكنّهم يتفانون في السعي للظّفر بها، ولو أدّى بهم ذلك إلى التكلّف والتصنّع، بل ولو أدى بهم ذلك إلى إلغاء العقول ومخالفة الفطر، وإلى طلب رضاهم بموافقتهم فيما يُسخط الله جلّ في علاه.
الأرملة تذوب في جلدها وربما تتسخّط على قضاء الله خوفا من كلام الناس.. المطلّقة تبكي بالليل والنهار وتتبرّم من القضاء والقدر خوفا من كلام الناس.. العانس تئنّ وتشكو وربّما تطرق أبواب السّحرة والمشعوذين لتتخلّص من كلام النّاس.. بل قد أصبحت كثير من أعمال البِرّ والخير التي نعملها، إنّما نعملها لأجل عيون الناس؛ ننسى الأجر والثواب، وننسى التقرب إلى العزيز الوهّاب، ونهتمّ فقط بما يقوله الناس، وبلغ بنا الأمر إلى درجة أنّ الواحد منا ربما يصلي الجمعة في المسجد خوفا من لوم الناس، ويخرج من جيبه دنانير معدودات يضعها في كيس التبرعات حياءً من الناس، لأنه يخشى إن هو لم يمدّ يده إلى جيبه أن يقال عنه بخيل، وبلغ بنا الأمر أنّ الواحد منّا ربّما يَحضر جنازة جار أو قريب ليس طلبا للأجر والثواب، وإنّما دفعا للّوم والعتاب، حتى لا يقال عنه إنّه لم يحضر جنازة جاره أو قريبه!.
في المناسبات والأفراح، يكاد يكون الهمّ هما واحدا، نظرات النّاس وكلامهم؛ إذا أراد الشاب أن يتزوج فإنّ أول ما يدور في خلَده أن يرضي خلاّنه وأقاربه في حفلة زواجه، وربما يقول: سأجعلها حفلة يتكلّم عنها كلّ الناس، وإذا أراد أن يتخيّر المدعوين إلى زفافه تجده كثيرا ما يقول: سأدعو فلانا لوجه فلان، والله لولا وجه فلان ما دعوت فلانا.
أمّا إرضاء النّاس في اللباس والسّمت فحدّث ولا حرج، حيث أصبح الشّعار الذي يرفعه كثير منا هو “كُلْ ما يعجبك والبس ما يعجب الناس”، وأصبحت الفتاة المسلمة ترفض لِبس الحجاب خوفا من كلام الناس وخوفا من أن تقول عنها صديقاتها إنها معقدة ومتخلفة، لا يهمها أن يسخط الله عليها، المهمّ ألا يتكلّم الناس في حقها بما لا يعجبها.
داء استرضاء الناس وطلب رضا المخلوقين استفحل واستحكم ونما وترعرع، ولم يعد حكرا على عامّة الناس، بل صار سمة بارزة لكثير ممن يحملون شيئا من همّ هذه الأمة وهمّ هذا الدين، من الخيّرين الذين ركب كثير منهم صهوة منهج الاسترضاء وراحوا يقدّمون من التنازلات ما بلغ العظم والنّخاع، بل وما يهدّ مشروع الأمّة من أساسه ويجعله قرينا للمشاريع الوضعية والوضيعة، وأصبح لا همّ لكثير منهم إلا أن يظهروا أمام الناس بأنهم متفتّحون، وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل تعداه إلى درجة السعي إلى كسب رضا أقوام معروفين بعدائهم الظاهر لكل ما له علاقة بخصوصيات الدين، من الليبراليين واليساريين، الذين لا يمكن أن يرضوا عن حملة مشروع الأمّة إلا إن تخلوا كلية عن الصبغة الإسلامية ووافقوهم فيما هم عليه من دعوات تنادي بالتفلّت من كلّ القيود والقفز على كل الحدود.. تنكّبوا منهج القرآن، وحادوا عن هدي الرحمن، وطلبوا رضا المخلوقين بسخط الخالق، فجُوزُوا بضدّ ما أرادوا، وأصبحوا كُلّما قدموا تنازلا طُولبوا بتنازل آخر، وكِيلت لهم من ألقاب الذمّ أضعاف ما كيل لهم من قبل.. لأنّهم نسوا قول الحقّ -جلّ وعلا- مخاطبا أكرم خلقه عليه: ((وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً)).
الأدهى من كلّ ما سبق والأمرّ أنّ السّعي إلى طلب رضا الناس أصبح سمة لبعض العلماء والدّعاة الذين لا صبر لهم على مخالفة أهواء الناس وعوائدهم وعاداتهم، فارتضوا أن يفتوهم بما يعجبهم لا بما ينجيهم بين يدي الله؛ ظنوا أنهم بذلك سيكسبون رضا الناس، ولكنهم خسروا رضا الله فأسخط عليهم الناس، وجعلهم ينظرون إليهم بدونية واحتقار، استصغروا عظمة الخالق واستعظموا كلام المخلوقين، فصغّرهم الله في أعين الخلق.
وفي مقابل هؤلاء، علماء آخرون لا يهتمون برضا عامّة النّاس، لكنّهم يهتمون كثيرا برضا الولاة والحكام والأمراء، ويتفانون في طلب وُدّهم ورضاهم، ولو أدّى بهم ذلك إلى تغيير الفتاوى بتغيّر أهواء الحكام. كلّ هذا طمعا فيما عند أولئك الحكام أو خوفا من بطشهم؛ فكم قرأنا وكم سمعنا في هذا الزمان بفتاوى تبيح الفوائد الربوية، وأخرى تحرّم تعدّد الزّوجات، وأخرى تحجر الحجاب في أضيق نطاق وأقلّ وصف، وأخرى تبيح التبرج لأجل المناصب، بل وسمعنا بفتاوى تبيح الاستعانة بالعدو الصليبي وقتال المسلم تحت راية الكافر، وبفتاوى تبرر دخول الصليبيين والمشركين إلى جزيرة العرب التي أُمرنا بإخراجهم منها.. وأمثال هؤلاء العلماء مع سقوطهم من عين الله، قد سقطوا في أعين النّاس، وسقطوا في أعين من يتقربون إليهم بتحريف دين الله، وصدق النبي المجتبى الذي لا ينطق عن الهوى حينما قال: (من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مُؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس).
إنّه منتهى الخسران، أن يقضي العبد المؤمن حياته لاهثا خلف غاية لا تُدرك، ذاهلا عن غاية تُدرك ولا تترك، ألا وهي رضا الله الواحد الأحد؛ فرضاه سبحانه مطلب يناله من أخلص وجدّ في طلبه.. إنّه مهما حاول الواحد منّا أن يُرضي الناس على حساب الحق، فلن يصل إلى ذلك، لأنهم في الغالب لا يرضون إلا بما يوافق أهواءهم ويخدم مصالحهم، ومصالح الناس وأهواؤهم تتعدّد وتختلف، فعلى العبد المؤمن ألا يلتفت إلى كلام الناس إذا كان متأكداً من أنّه على هدًى وصواب.