رمضان السمسرة والاستثمار السياسي
تعيش البلاد هذه الأيام على وقع حلول شهر رمضان وما يحمله عادة من أهوال وتقلبات في الأسواق وأسعار المواد الاستهلاكية التي تتعدى كل الحدود والحواجز والقوانين والأعراف، ناهيك عن عدم مراعاة المستهلك ومستوى قدرته الشرائية وما إذا كان قادرا على مواصلة الاستهلاك أم لا.
- هذا الوضع درجت عليه الجزائر منذ مدة طويلة أي منذ الاستقلال على الأقل، وتعمل على المحافظة عليه والاستفادة منه جنبا إلى جنب، كل من المافيا الاقتصادية والسماسرة والحكومات المتعاقبة سواء لأهداف الربحية المحضة أم للأهداف السياسية والديماغوجية والاستهلاك الكلامي لشراء السلم الاجتماعي من المجتمع بالأوهام والوعود الكاذبة.
- وفي كل مرة يحل شهر رمضان تتحرك المافيا والسماسرة باتجاه الاحتكار والتلاعب بالأسعار من خلال اختلاق الندرة في المواد الواسعة الاستهلاك، وما أكثرها خلال هذا الشهر، فيما تتجه الحكومة إلى العمل السياسي الظاهر والباطن للاستثمار القصير والطويل المدى في هذه الشعيرة.
- لكن ما يميز الوضع هذه السنة هو انضمام الحكومة إلى المافيا والسماسرة في ممارسة المضاربة والتخلاط، من خلال القرار الذي اتخذ بتسخير كميات هائلة من لحم الدجاج الموجود في الأسواق، بدعوى تجميده والاحتفاظ به لمواجهة ارتفاع أسعاره في شهر رمضان، غير أن النتيجة كانت عكسية وبشكل مأساوي حيث ارتفعت أسعار هذه اللحوم بنسبة 100 بالمائة خلال أيام معدودات وانتقلت من 200 دج للكيلوغرام إلى 400 دج، وما زالت في ارتفاع مستمر ولا أحد يدري إلى أي حد ستصل مع وصول شهر رمضان، ولكن هذا التصرف أو سوء التصرف الاقتصادي الحكومي يعتبر أهون بكثير من محاولة الاستثمار السياسي أو سوء الاستثمار السياسي الحكومي في الشهر الفضيل، من خلال ما ذهب إليه وزير الشؤون الدينية بشأن صلاة التراويح، حيث هدد الأئمة الذين سيطيلون في هذه الصلاة بالعقاب الشديد، وهذه فتنة أو بدعة جديدة لم تشهدها الجزائر عبر القرون والدهور، فصلاة التراويح قبل أن يأتي وزير الشؤون الدينية الجزائري لم تطرح أي مشكل مهما كان نوعه سياسيا أو دينيا، لا في الجزائر ولا في البلاد الأخرى، لا على الأئمة ولا على المصلين لأنها ليست فرضا ولا سنة مؤكدة، وهي مفتوحة لمن استطاع تأديتها كاملة أو جزء منها، والأئمة عليهم ختم القرآن فيها خلال شهر بتلاوة عادية، فكيف سيتم ذلك من الآن فصاعدا، إذا أجبر الأئمة على التقصير والإسراع أم أن وزير الشؤون الدينية والذين يقفون وراءه في هذه القرارات والتصريحات غير المسؤولة، ينوون إضافة أزمة سياسية ودينية أخرى للجزائر أصعب وأمرّ مما مرّ بها من مراحل وأزمات اختلط فيها الحابل بالنابل.