ستّة أسباب لحسن استغلال رمضان
رمضان فرصة لأن يعود العبد المؤمن إلى طريق الجنّة، ويطرق بابها… لكنّ هذه الفرصة تحتاج لأن يَتعب الراغب مع نفسه الأمّارة بالسّوء التي لا تحبّ التعب وتفرّ من كلّ عمل يقلّل من وقت نومها وراحتها ووقت لهوها ولعبها… لذلك فهو في حاجة لأن يحزم أمره، ويقود نفسه في البدايات مهما كانت كارهة جامحة، وكلّه يقين بأنّها مع الصّبر والإصرار ستلين وترضخ بإذن الله. خاصّة وأنّ بواعث الطّاعات ومرغّباتها تقوى في رمضان، بينما تضعف بواعث المعاصي والمخالفات.
رمضان غنيّ عنّا، ولكنّنا نحن من نحتاج إلى رحمات الله التي يحملها هذا الشّهر المبارك… جميعنا في أمسّ الحاجة لأن نبحث عن الأسباب التي تعيننا على استغلال فرص رمضان والظّفر بهداياه وجوائزه:
ولعلّ أوّل هذه الأسباب، هو أن يكون العبد صريحا صادقا مع نفسك، ينظر إلى جانبها المظلم وإلى عيوبها ونقائصها الكثيرة، ويقنعها بأنّه معنيّ بالتوبة في رمضان، ومخاطب بإصلاح حياته وتغيير برنامجه… بعض النّاس عندما يسمع من إمام مسجده حديثا عن التوبة في رمضان، تقنعه نفسه بأنّ الكلام لا يعنيه؛ فهو يصلي الصلوات الخمس في المسجد، ويصلّي التراويح، ويقرأ القرآن. وربّما يظنّ أنّ التوبة تخصّ الشّباب فقط… وهذا من خداع النفس والشّيطان!
فيا أخي المؤمن، مهما كنت تصلّي في المسجد خمس مرات، ولو كنت في السبعين من عمرك، فأنت معنيّ ومخاطب بحديث التّوبة… هل نسيت قلبك القاسي؟ هل نسيت روحك المسجونة في الدنيا؟ هل نسيت الحقد الذي يعشعش في قلبك على أخيك أو جارك؟ هل نسيت أنّك تعادي فلانا وفلانا وعلانا لأجل دنيا دنية؟ وأنّك ظلمت من ظلمت من عباد الله؟ هل نسيت الحقوق التي أكلتها؟ هل نسيت لسانك الذي لا يتوقّف عن الحديث في أعراض النّاس؟ وهل نسيت أنك كلّ يوم وربّما كلّ ساعة تقع في كبيرة الغيبة؟ هل نسيت عينك التي تخونك وتخون خالقها بالنظر إلى الحرام في الشارع والهاتف؟
إنّه لو لم يكن بنا إلا هذه القلوب القاسية التي نحمل في صدورنا والتي تخوننا عند سماع القرآن وعند رؤية الموتى، ونفقدها في المقابر، لكان حريا بنا أن نفرّ إلى الله تائبين باكين داعين أن يصلح قلوبنا. أولسنا نقرأ قول الله تعالى: ((فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ))؟ أما سمعنا قول النبيّ –صـلى الله عليه وسلم-: “إن أبعدَ الناسِ من اللهِ القلبُ القاسِي”؟
ثاني سبب يعين العبد على حسن استغلال رمضان: أن يصومه صيام مودع. أن يقنع العبد نفسه بأنّ رمضان هذا العام يمكن أن يكون آخر رمضان يعيشه في هذه الدّنيا… حاول –أخي المؤمن- أن تحصي أصحابك وأقاربك وجيرانك ومن تعرفهم ممّن صاموا رمضان العام الماضي وهم الآن تحت التراب، من أكبر أمنيات الواحد منهم الآن أن يعود إلى الدنيا ليصوم يوما من رمضان… أنت أيضا يمكن أن تكون تحت التراب بين رمضان هذا العام ورمضان الذي بعده… بين كلّ رمضانين يموت ما يفوق 10 ملايين مسلم، وأنت لا تدري متى يكون دورك.
في سنن ابن ماجة أنّ رجلا أتى النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فقال: يا رسول الله، علّمني وأوجز، قال: “إذا قُمْتَ في صلاتِكَ، فصَلِّ صلاةَ مُودِّعٍ، ولا تَكَلَّمْ بكلامٍ تعتذِرُ منه، وأجمِعِ اليَأْسَ عمَّا في أيدي النَّاس”؛ فمن أراد أن يخشع في صلاته وينتفع بها في الدّنيا والآخرة فليصلّ صلاة مودّع، كأنّ تلك الصلاة التي يقوم إليها هي صلاة الوداع آخر صلاة له في هذه الدنيا… وهكذا من أراد الخشوع في صيامه، فليصم رمضان صيام مودّع، كأنّه آخر رمضان يصومه… وكما أنّ الصلاة تحتاج إلى خشوع، فكذلك الصيام، بأن تكون النية خالصة لله، ويكون القلب خاشعا مع الجوع بالنهار ومع التعب في صلاة القيام، ويستحضر العبد أنّ الله ربّما يباهي ملائكته بصيام عبده وقيامه.
هناك من عباد الله من صام 10 رمضانات وعشرين، ومن صام 40 و50، وإلى اليوم لم يعش رمضان العمر الذي تتغيّر به حياته ويجد فيه راحة قلبه وبهجة روحه ويلمس أثره في حياته؛ في قلبه ولسانه وعينه وجوارحه. لأنّه في كلّ عام حينما يفكّر في التوبة واستغلال رمضان، تحدّثه نفسه بأنّ رمضان التوبة والصلاح لم يحن وقته بعد… وهكذا حتى مضى أكثر العمر وهو لا يعرف من رمضان إلا برنامجا واحدا لا يتغيّر؛ نوم وقلق وضيق بالنّهار، وسهرات وغفلة بالليل. صلاة التراويح يصلّيها مستعجلا ليتخلّص منها، والقرآن يقرؤه بقلب ساه لا يتدبّر ولا يخشع، والصّدقة ينساها، وإفطار الصّائمين لا يتذكّره لأنّه مشغول بهمّ مائدته! وحتى برّ الوالدين والإحسان إليهما وإدخال السّرور على قلبيهما في رمضان فلا مكان له في برنامجه.
ثالث سبب يعين العبد المؤمن على التوبة الصادقة وحسن استغلال رمضان: أن يتذكّر لحظة رحيل رمضان ويجعلها نصب عينيه… أيام وليالي رمضان تمرّ بسرعة عجيبة، ولن يشعر العبد حتى يجد نفسه يعيش آخر ساعات رمضان، ثمّ يجد النّاس يتحدّثون عن وقت صلاة عيد الفطر، فيشعر بالنّدم وهو يرى مِن قلبه وحاله أنّه لم يستفد من رمضان شيئا… بل ربّما ازداد قلبه قسوة، وازداد بعدا عن الله، وقد يجد في نفسه ما يشبه اليقين بأنّ رمضان رحل شاهدا عليه، وهو يشكوه إلى الله… لذلك قال النبيّ الأكرم –عليه الصّلاة والسّلام-: “رغم أنف من أدرك رمضان، فلم يغفر له”.
رابع سبب يعين العبد المؤمن على التوبة الصادقة وحسن استغلال رمضان: أن يذكّر نفسه في كلّ يوم وليلة، أنّ كل شغل من مشاغل الدّنيا يعوّض إلا رمضان، إذا مضى فإنّه لا عوض منه، فقد يأتي في عام قابل والعبد في قبره رهين عمله… جلسات المقاهي يمكن تعويضها، التمثيليات والبرامج والمقاطع التي تتضمّن ما حرّم الله فواتها خير من إدراكها، وأمّا الخالية من المحرّمات، فيمكن رؤيتها بعد رمضان… رمضان لا يعوّض بعد رحيله، إلا أن يمنّ الله على عبده فيمدّ في عمره حتى يدرك رمضان آخر، وهذا غير مضمون، وإن أدرك العبد رمضان آخر، فهل يضمن أن يجد في قلبه ما يعينه على حسن الصيام والقيام. القلب الغافل لا يزداد إلا قسوة مع مرور الأيام والأعوام، ومن صعبت عليه التوبة هذا العام، ستكون أصعب عليه في عام قادم. والصحة أيضا في تناقص، فقد يبتلى العبد في صحته بما يحول بينه وبين تمام الصيام والقيام.
خامس سبب يعين العبد على حسن استغلال رمضان: أن يضع لنفسه برنامجا حاسما ويكون حازما مع نفسه في تطبيقه، برنامجا جديدا مختلفا عن برنامج رمضان السنوات الماضية، يجعل محوره وأساسه القرآن، الكتاب المبارك الذي ما جعله عبدا محورا لحياته وأساسا لبرنامجه إلا ألقى الله البركة في وقته وجهده وجوارحه كلّها… يعقد العبد العزم على أن يختم القرآن –مثلا مرة في العشرين يوما الأولى من رمضان، ثمّ يختم ختمة أخرى في العشر الأواخر… في العشرين الأولى من رمضان: يقرأ عند كلّ صلاة نصف حزب وعند السحور نصف حزب، وفي العشر الأواخر يقرأ حزبا عند كلّ صلاة، وحزبا في وقت السّحر… يجعل هذا حدا أدنى، فإن زاد فهو خير وبركة.
يعقد العزم على أن يصلي الصلوات الخمس في بيت الله، ويدرك تكبيرة الإحرام عند كلّ صلاة، ويجاهد نفسه على الخشوع فيها… يصلّي الرواتب 12 ركعة: ركعتين قبل الصبح، وأربعَ ركعات قبل الظّهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، أما الركعتان بعد العشاء فتنوب عنهما التراويح في رمضان… يعزم على أن يكون له ورد من الاستغفار والصلاة على النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- في وقت السحر، 100 مرة مثلا… يعقد العزم على أن يساهم في تفطير الصائمين ولو بالقليل، ويساهم في قفة رمضان إن استطاع إلى ذلك سبيلا… يعقد العزم على أن يمسك لسانه عن الكلام في الناس، وكلما زلّ لسانه بكلمة في حقّ مسلم يستغفر لنفسه ولأخيه المسلم ويدعو له، ويمسك لسانه عن الفحش والبذاءة والسبّ في الأسواق والمقاهي والطّرقات، فـ”من لم يدع قول الزّور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” كما قال النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام-، ومن لم يصم عن الحرام فليس ينفعه أن يصوم عن الحلال… يعقد العبد عزمه على أن يغضّ بصره عن النّظر إلى الحرام باللّيل كما بالنّهار، وإذا كان النّظر إلى الحرام في النهار يمحق أجر الصيام، فإنّ النظر إلى الحرام في ليل رمضان يُذهب بركة رمضان ويقسّي القلب ويعرّض العبد لسخط الله. ولْيكن العبد حازما مع نفسه، كلّما نظر إلى محرّم استغفر من حينه وتاب وأتبع النظرة المحرّمة بعمل صالح.
سادس سبب يعين العبد على التوبة وحسن استغلال رمضان: الدّعاء والإلحاح على الله بأن يعين عبده على نفسه ويليّن له قلبه… والعبد في أمسّ الحاجة إلى عون مولاه في كلّ وقت وفي كلّ حين، وهو في رمضان أحوج ما يكون إلى مدد الله وعونه، ليغلب نفسه الأمّارة بالسّوء ويضعها حيث يجب لها أن تكون. ومِن أنفع ما يحسن بالعبد أن يدعو به في رمضان: قوله “اللهمّ آتِ نفسي تقواها، أنت خيرُ مَن زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها. أعوذُ بك من قلبٍ لا يخشعُ وعلمٍ لا ينفعُ ودُعاءٍ لا يُسمع”.