سلطاني.. “موريتي” والفيزا في قلب محاكمة الطريق السيار
أجلت أمس محكمة الجنايات لدى مجلس قضاء العاصمة، النظر في ملف قضية “الطريق السيار، شرق ـ غرب” إلى الدورة الجنائية المقبلة. وهذا بسبب غياب دفاع المتهم الرئيسي “ش. م”، مسير مكتب الدراسات ببروكسل، حيث اضطر القاضي إلى اتخاذ قرار التأجيل لتمسك المتهم بدفاعه المحامي الفرنسي “ويليام بوردن”، الذي لم يتحصل على الفيزا قبل تاريخ الجلسة.
ويعتبر هذا التأجيل الأول من نوعه الذي يطال ملف القضية المتابع فيها 23 متهما، وعلى رأسهم الأمين العام السابق لوزارة الأشغال العمومية، وكذا إطارات بذات الوزارة، ورجل الأعمال “ش. م”، صاحب مكتب دراسات ببروكسل، وبنات السفير السابق غريب، حيث تم تنفيذ إجراءات القبض الجسدي في حق المتهمين غير الموقوفين يوما قبل الجلسة، فيما لا يزال أحد المتهمين في حالة فرار.. إلى جانب سبع شركات أجنبية، ويتعلق الأمر بكل من “سيتيك” الصينية، وكوجال اليابانية، والمجمع الكندي “أس آم أي أن سي” والشركة البرتغالية “كوبا” والشركة السويسرية “كارفنتا” والمجمع الإسباني “ازوليكس كورسان” والشركة السويسرية “بزاروتي”، والمتابعون بتهم ثقيلة تتعلق بجناية تكوين جمعية أشرار والرشوة واستغلال النفوذ وتبييض الأموال ومخالفة التشريع والصرف.
انطلقت إجراءات المحاكمة الجنائية التي يشرف عليها القاضي هلالي الطيب في ملف فضيحة “الطريق السيار، شرق ـ غرب” بعد أكثر من سبع سنوات من التحقيق، حوالي الساعة التاسعة صباحا، حيث عرفت قاعة الجلسات رقم 2 بمجلس قضاء العاصمة “رويسو” توافدا قياسيا لعائلات المتهمين ومختلف وسائل الإعلام الدولية والمحلية، إلى جانب أصحاب الجبة السوداء الذين يمثلون دفاع المتهمين والشركات الأجنبية والأطراف المدنية.
دفاع رجل الأعمال غاب عن الجلسة بسبب الفيزا
البداية كانت بالمناداة على المتهمين في الملف البالغ عددهم 16 شخصا، إلى جانب الشركات الأجنبية السبع المتابعة كشخص معنوي، وقد حرص القاضي هلالي الطيب على التأكد من هوية المتهمين ومناصب عملهم التي تقلدوها في فترة ارتكاب الوقائع، على غرار إطارات وزارة الأشغال العمومية وكذا رجل الأعمال “ش. م” والأمين العام السابق لذات الوزارة.
وبعد التأكد من حضور المتهمين والمحامين، تبين أن محامي المتهم “ش. م” لم يحضر الجلسة، وتجنبا للخوض في مسألة التأجيل قبل استكمال الإجراءات، فضل القاضي إرجاء الحديث عن موضوع الدفاع إلى غاية المناداة على بقية الأطراف، خاصة أن غياب المحامين في قضية ذات طابع جنائي يعني بالضرورة تأجيل القضية، وهو ما يريده الدفاع في الوقت الحالي. وكشفت مصادرنا أن محامي المتهم “ش. م” الفرنسي لم يتمكن من الحصول على الفيزا لدخول الجزائر، ولأجل ذلك قرر المحامون الجزائريون المؤسسون إلى جانبه عدم الحضور ليكون التأجيل مبررا.
نجل أبو جرة سلطاني ومدير إقامة الدولة.. شاهدان لم يحضرا
ونادى كاتب الضبط على الأطراف المدنية الممثلة في كل من الوكالة الوطنية للطريق السيار وإدارة الجمارك والوكيل القضائي للخزينة، فيما حضر ممثلو الشركات الأجنبية السبعة ودفاعهم مع المترجمين لكل اللغات على غرار الصينية والإنجليزية والفرنسية.
كما تظهر قائمة الشهود التي تفوق 28 شخصا غاب أغلبهم، اسم نجل أبو جرة سلطاني الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم، المدعو أسامة، وكذا مدير إقامة الدولة نادي الصنوبر “موريتي” أحمد ملزي، حيث غابا عن جلسة أمس باعتبارهما شاهدين في القضية، فيما لم تذكر القائمة الاسمية للشهود التي تلاها كاتب الضبط في الجلسة، اسم الوزير السابق لوزارة الأشغال العمومية عمار غول، الذي اعتبره متابعون للملف، أنه كان “مسؤولا سياسيا” في قطاع الأشغال العمومية، عند تفجرّ القضية، ولعل إبعاده عن الشهادة، حسب قانونيين، هو دليل على أنه لا علاقة للرجل بأطوار القضية وتطوراتها، عكس بعض المحاولات “المنشورة” عبر الفايسبوك بطريقة عشوائية وغير مؤسّسة.
النزاع حول الوكيل القضائي للخزينة يتكرر
وعاد الصراع ما بين هيئة الدفاع ومحكمة الجنايات من جديد حول تأسيس الوكيل القضائي للخزينة كطرف مدني مثلما حصل مع قضية “سوناطراك”، فبمجرد التأكد من حضور الأطراف، تقدم المحامون بدفوعات شكلية لاستبعاد تأسيس الوكيل القضائي للخزينة باعتبار أنه لا يملك صفة للمطالبة بالتعويضات عن الأضرار الناجمة عن تبديد أموال مشروع الطريق السيار، وهي الطلبات التي تحولت إلى صراعات ما بين المحامين أنفسهم. ففي وقت طالب غالبيتهم باستبعاد الوكيل القضائي على غرار الأستاذ ميلود إبراهيمي الذي حضر متأخرا، لكنه أبى إلا أن يضع النقاط على الحروف بعدما قرر القاضي هلالي أن يفصل في النزاع بعد المضي في الدعوى العمومية، حيث قال إبراهيمي في كلامه لرئيس الجلسة: “لقد قررت نفس القرار مثلما حصل مع سوناطراك” وأردف: “لكننا كمحامين نرفض وبشدة أن يتدخل الوكيل القضائي أثناء المناقشات” وواصل: “هذا شيء مخجل وفضيحة للعدالة الجزائرية أن يتأسس ممثل الدولة في قضية لم يصبه فيها ضرر” لكن القاضي الذي اتسم بالرزانة والحنكة أكد له أن المحاكمة ستكون وفقا للإجراءات القانونية. في المقابل خرج المحامي خالد برغل عن المألوف ليناقض زملاءه وأقر بأحقية تأسيس الوكيل القضائي كطرف مدني، وفقا للمادة 239 من الإجراءات الجزائية، واعتبر النقاش السائد عقيما ولن ينفع المحاكمة في شيء.
هذا ما جعل المحامي خالد بورايو يتدخل، ويطلب من القاضي الانسحاب في حال قبوله لطلب التأسيس، فيما أكد محامي الخزينة العمومية بأن تأسيسه لا يتناقض وتأسيس الوكالة الوطنية للطريق السيار وأن الدولة باعتبارها مولت المشروع فقد أصابها ضرر نتيجة المساس بأموال الدولة، فيما تدخل ممثل الحق العام ليؤكد أنه لم يستدع الوكيل القضائي مثلما تداوله الدفاع وأكد أن الفصل في الدعوى المدنية لن يكون إلا بعد الدعوى العمومية مطالبا بالمواصلة في إجراءات المحاكمة. وما بين هذا وذاك حاول القاضي هلالي تهدئة الأمور مشيرا إلى أن كل طلبات الدفاع سيتم أخذها بعين الاعتبار وسيجيب عنها في مداولة سرية، وهو ما تم بعد رفع الجلسة لأكثر من ساعة، ليقرر الفصل في النزاع حول الوكيل القضائي للخزينة بعد المباشرة في إجراءات المحاكمة..
محامو الشركات الأجنبية يطالبون ببطلان إجراءات المتابعة
وبعد استئناف الجلسة حوالي الساعة منتصف النهار، تقدم المحامون المتأسسون في حق الشركات الأجنبية المتابعة في الملف ليطالبوا بانقضاء الدعوى العمومية، حيث طالب دفاع المجمع الكندي “أس أم أن سي” بتأجيل القضية لعدم وصول الاستدعاء إلى ممثلة الشركة إلا منذ يومين، وعدم اطلاعه على الملف حيث حضر أمس من قسنطينة، ما جعل القاضي يذكره أن القضية معروفة وممثلة الشركة تم سماعها من قبل أثناء التحقيق، وعلى علم بكل الإجراءات، فيما التمس دفاع الشركة الإسبانية “ازولسي بورسان” التي تحصلت على صفقة ترامواي وهران، بطلان الإجراءات، معتبرا أن التحقيق لم يثبت تقديم الرشوة من قبل أحد مسيريها، فيما تدخل المحامون عن شركة “سيتيك” الصينية وكذا “كوجال” اليابانية للمطالبة ببطلان إجراءات المتابعة، وانتفاء وجه الدعوى فيما يخص تهمة مخالفة التشريع الخاص بالصرف وحركة رؤوس الأموال، حيث استغرب المحامون اتصال مصالح الضبطية القضائية بإدارة الجمارك للتأسس في الملف، في حين ينبغي تحرير محضر مخالفة قبل تحريك الدعوى العمومية، وهي الطلبات التي رفضها ممثل النيابة العامة، في وقت طالب محامي المتهم “خ. م” بإحضار العقود الثلاثة التي بنيت عليها صفقة الطريق السيار.
المتهم مجذوب يتمسك بدفاعه الأجنبي
وحاول القاضي الاستمرار في المحاكمة بشتى الطرق، حتى بعدما تبين عدم حضور دفاع المتهم “م. ش” رجل أعمال وصاحب مكتب دراسات ببروكسل، حيث تمسك هذا الأخير بمحاميه الفرنسي الذي لم يتحصل على الفيزا رغم محاولة القاضي إقناعه بتخصيص محام له في إطار المساعدة القضائية، ليرد هذا الأخير: “لست بحاجة إلى المساعدة. لدي أموال لتأسيس محامين وأتمسك بالمحامي الأجنبي الرئيسي”، ملتمسا من هيئة المحكمة تأجيل الملف إلى حين تمكنه من الحضور، ليقول له القاضي: “لا تغضب نحن نحترم رأيك”، في وقت أثارت تصريحاته حفيظة المحامين الجزائريين الذين اعتبروا ذلك تقليلا من هيبة أسرة الدفاع وعدم ثقة في العدالة الجزائرية من قبل المتهم، إلا أن القاضي رد عليهم: “للمتهم حق في التعبير عن رأيه” ويرفع الجلسة للمداولة من جديد.
وبعد نحو ساعة ونصف، عاد القاضي حوالي الساعة الثالثة زوالا ليسأل المتهم “م. ش” عن اسم محاميه الفرنسي ليرد: “ويليام بوردون”. ثم عاد ليحاول إقناعه بتخصيص محام آخر له، إلا أنه رفض ذلك وبشدة، لتقرر محكمة الجنايات دون إشراك المحلفين تأجيل المحاكمة إلى الدورة المقبلة.
كواليس وأصداء المحاكمة
– خصصت النيابة العامة أول مرة، في تاريخ القضايا الجنائية لمجلس قضاء العاصمة شاشة عملاقة بالمحاذاة من قاعة الجلسات رقم 2 ليتسنى لجميع الأطراف متابعة سير الجلسة بدون دخول القاعة التي امتلأت عن آخرها.
– تم فرض إجراءات رقابية وتفتيشية صارمة لكل من يدخل مجلس قضاء العاصمة، ولم يستثن منها الصحفيون الذين تم تفتيشهم واستفسارهم عن الأقلام التي تحوي كاميرات، خشية تسريب أي صور للمحاكمة.
– القاضي هلالي الطيب حاول فرض إجراءات تنظيمية داخل القاعة منذ افتتاح الجلسة وحرص على تنظيم آماكن جلوس المحامين والصحفيين.
– طلب القاضي من ممثلي الشركات الأجنبية كتابة أسمائهم في ورقة حتى لا يخطأ فيها خاصة شركة “كوجال اليابانية” و”سيتيك “الصينية لصعوبة فهم نطقهم لأسمائهم.
– تدخل القاضي عدة مرات لفض النزاع الحاصل بين المحامين بسبب تأسيس الوكيل القضائي للخزينة كطرف مدني، حيث أظهر حنكة في التسيير والتحكم في الجلسة.
– شدد القاضي على المحامين حتى لا يتدخلوا بطريقة عشوائية.
– ذكر هلالي الطيب المحامين بإجراءات زيارة المجاملة والتي قال عنها في حديثه لمحامي حضر من نقابة قسنطينة للمرافعة في الملف “لقد ذهبت في مهب الريح”.
– تجاوز عدد الملفات الموضوعة في المنصة المخصصة لهيئة محكمة الجنايات ثلاثين علبة.