سلطنة عمان… شعب يتنفس الحضارة
إذا كان الاعتقاد السائد في بلادنا الجزائر أن الذي يزور ولاية سطيف ويشرب من عين الفوارة، فإنه حتما سيعود لأحضانها يوما ما، كذلك نفس الاعتقاد قد بدر إلى ذهني لأنه ينطبق على إحدى أشهر وأقدم الأسواق المتواجدة بسلطنة عمان، فإذا أتيحت لك الفرصة وزرتها، وقمت بالتجول في أزقتها التي تروي لك ألف حكاية وحكاية، فإن سحرها حتما سيأخذك إليها مرة ثانية..هي سوق مطرح..قرطبة عمان..وبمجرد أن وطئت قدماي عاصمة سلطنة عمان “مسقط” لتغطية أشغال الملتقى الـ28 حول القيم المشتركة في عالم التعددية الثقافية بدعوة من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية عن طريق سفارة عمان بالجزائر، الجميع هناك نصحني بزيارة السوق وعدم تفويت الفرصة، وفعلا قمت بزيارتها مرتين… دون أن أشعر حينها وقفت على ذلك المكان الذي يحمل الهوية العمانية، كيف وهو لا يزال يحتضن أدق التفاصيل عن حضارة وتاريخ شعب مسالم حيث ذهبت وتجولت إلا وابتسم في وجهك…
سوق مطرح أو السوق “المظلمة”…قرطبة عمان
بمجرد أن وطئت قدماي مسقط بعد رحلة جوية دامت أكثر من 9 ساعات، وبعدما أخذت قسطا من الراحة بالفندق الذي نزلت به، رحت أسأل عن المناطق السياحية التي تزخر بها السلطنة، وبإمكاني زيارتها خلال تواجدي بها، فجميع الذين تحدثت معهم نصحوني بزيارة جامع السلطان قابوس بن سعيد، قصر البستان، الذي شيد خصيصا للسلطان قابوس غير أنه فيما بعد تنازل عنه، فأصبح معلما سياحيا بامتياز، وسوق مطرح الشعبية، ولأن زيارتي كانت قصيرة، فضلت اكتشاف السوق الشعبية التي يعود تاريخ تشييدها إلى100 سنة، على اعتبار أن زيارة المسجد تستوجب قيام السلطات هناك ببعض الترتيبات التي قد تأخذ وقتا طويلا، وبالفعل تحدثت إلى أحد المنظمين التابعين لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية وبُحت له عن رغبتي الشديدة لاكتشاف جزء ولو بسيط من جمال وسحر السلطنة، سرعان ما وفر لي سيارة وسائقا لإيصالي، وحين وصلت إلى هناك في حدود الساعة الرابعة والنصف زوالا، وأنا أهم بالدخول من بوابتها الرئيسية التي تطل على البحر حيث ترسو سفينة السلطان قابوس بن سعيد، والتي شيدت بطراز معماري إسلامي بحت، فخيّل لي في تلك اللّحظات الخاطفة أنني أشاهد لقطات من مسلسل “حريم السلطان” التركي الذي لقي نجاحا كبيرا ليس في تركيا لوحدها وإنما في جميع بلدان الوطن العربي، حينها رحت أتقدم بخطوات واثقة إلى داخل السوق، فشدتني رائحة البخور أو ما يعرف باللبان التي كانت تنبعث من كل المحلات، فاستمتعت باستنشاقها لدقائق معدودات، وبمجرد اقترابي من أحد المحلات لبيع المجوهرات الفضية العمانية حتى بدأ التجار بإطلاق عبارات الترحيب بترديد كلمات باللغة الانجليزية الممزوجة بالعربية “مرحبا بكم تفضّلوا إلى الداخل”، والاجتهاد في عرض سلعهم لعلهم يظفرون بزبائن كثيرين، خاصة وأنني لاحظت التواجد الكبير للسياح الأجانب القادمين من أوروبا وأمريكا اللاتينية، لحظتها رخصت لنفسي التجول في أزقتها الواسعة التي أعيدت تهيئتها منذ مدة ليست بالطويلة، بعدما كانت في وقت سابق جد ضيقة قبل مجيء السلطان قابوس بن سعيد للحكم، حسب ما رواه لي أحد المرافقين، لاكتشاف تلك المحلات المتخصصة في بيع المجوهرات الفضية التقليدية والخناجر العمانية المصنوعة من الفضة الخالصة، الأقمشة، الألبسة الهندية المطرزة، أغطية الرأس التي يرتديها الرجل العماني والمعروفة لديهم باسم “الكمة” أو “المصر العماني” والقميص الأبيض المعروف باسم “الدشداشة”، وكل أنواع البخور، المجامر وهي الوعاء الذي تحرق فيه البخور، وكذا البهارات العمانية المتنوعة، إلى جانب الحلوى التقليدية ذات اللون البني التي تشتهر بها السلطنة…فكنت كلما دخلت محلا تجاريا إلا وغرقت في سلعه، وصعب علي اختيار أي شيء، فالتاجر عندهم لا يمل ولا يسأم في عرض سلعته بطريقة راقية وحضارية، فالزبون لديهم هو “ملك”، لا يتأخرون لحظة في تدليله، فحتى إن لم تشتر شيئا من عندهم فهم لن يتوقفوا لحظة عن الترحيب بك إلى غاية مغادرتك للمحل، عكس ما هو موجود ببلادنا، فالتاجر لدينا يسأم ويغضب بشكل سريع من زبائنه لأنه وبكل بساطة لا يملك ثقافة التعامل مع الزبون.. والله شيء جد مؤسف…
فعلا إنها سوق تسحر كل من دخلها واستنشق رائحة اللبان، كيف وهي تبدأ ببوابة تطل على البحر وتنتهي ببوابة أخرى أكثر جمالا تأخذك وتسافر بك في رحلة قصيرة إلى قلب المدينة القديمة، حيث يقابلك مشهد هؤلاء الرجال والشيوخ وحتى الشباب منهم وهم يفترشون الأرض تتوسطهم صينية القهوة والشاي، يتبادلون أطراف الحديث عن مواضيع عدة، فتراهم يرتشفون قهوتهم تارة وتارة أخرى يصمتون، لتسمع بين الفينة والأخرى ضحكاتهم وقهقهاتهم، ليبدؤوا في الانصراف الواحد بعد الآخر عند دخول وقت صلاة المغرب…
الكل في عمان.. يسأل عن الرئيس بوتفليقة
في طريقي إلى سوق مطرح الشعبية، أول سؤال طرحه علي أحد المرافقين، كيف حال الرئيس بوتفليقة وكيف حال صحته وهل عاد من فرنسا؟ استغربت قليلا لسؤاله وأجبته بنوع من التردد بأنه بخير وأنه قد عاد إلى أرض الوطن الجزائر، فرحت أسأله لماذا لم تسألني عن حال الجزائر وعن حال الشعب الجزائري وسألتني مباشرة عن الرئيس، فأخبرني “سألت عن الرئيس بوتفليقة لأننا نحن أيضا عانينا الكثير وذقنا مرارة غياب سلطاننا حفظه الله، طيلة أربعة أشهر كاملة لكنه بحمد الله قد أطل علينا أياما قلائل قبل الاحتفال بالعيد الوطني 44 ليطمئننا عن صحته، فنحن شعب يعشق السلطان حتى النخاع”.
منازل فخمة بطراز إسلامي..ولا وجود للقصدير
وفي كل مرة كنت أغادر فيها مجلس الشورى باتجاه الفندق رفقة الوفد الإعلامي، إلا واخترت لنفسي مكانا عند نافذة الحافلة لكي أستمتع بتلك المناظر الخلابة التي تجسد لك مشاهد رائعة عن السلاسل الجبلية الشامخة المرتمية في أحضان البحر، غير أن الذي شد انتباهي أكثر هو منازل العمانيين التي شيدت كلها بطراز معماري عماني إسلامي بحت، وهي لا تتجاوز ثلاثة طوابق، فكلها أبنية أقل ما يقال عنها بأنها “فخمة”، فالجميع يسكن في بيوت محترمة، إلى درجة أنك لا تكاد تفرق بين منازل الفقراء والأغنياء، بعمان الجميع سواسية كأسنان المشط في السكن، فحتى إذا تجولت في كافة شوارعها ومدنها فإنك لن تصادف بيتا قصديريا واحدا، وخلال تلك الرحلة القصيرة كنت في كل مرة أسافر بذاكرتي إلى بلادي الجزائر، فأتأسف تارة وتارة أخرى أسترجع مشاهد عن الأحياء القصديرية المنتشرة في كل بلدية في عاصمتنا الحبيبة، إلى درجة أننا أصبحنا نحرر روبورتاجات ومقالات صحفية عن أعرقها وأقدمها، وكيف تمكنت من الصمود في وجه السلطات، فهناك أحياء شيدت منذ 15 سنة وأكثر، حين يجتهد وزراؤنا للسكن الذين تعاقبوا على القطاع، في محاولات يائسة لإيجاد حلول “سحرية” لعلها قد تقضي يوما ما على هذه الأحياء التي باتت تشوّه صورة مدننا ومظهرها الجميل..
الطائفية من زمن الماضي
زيارتي لسلطنة عمان لم تدم طويلا، أياما معدودات لم تتجاوز ثلاثة، اكتشفت جمالها وسحرها، فالشيء الذي يميزها في نظري هو توفرها على أكبر عدد من المساجد، ففي كل حي تجد مسجدا تبهرك هندسته المعمارية، إلى درجة أن صوت الآذان قد وصل مسامعي وأنا بالفندق، وبولاية مطرح التي تقع في قلب العاصمة مسقط، لاحظت وجود عدة مساجد، وبالقرب من سوق مطرح يوجد مسجد الرسول الأعظم وهو يعد من أقدم المساجد وأعرقها، الذي يتميز بروعة تصميمه الهندسي وهو الجامع الذي أعيد بناؤه لعدة مرات آخرها كانت سنة 1997، ليصبح اليوم بثلاثة طوابق وهو مخصص للمنتمين للمذهب الشيعي، غير بعيد عنه ببضع كيلومترات فقط، تجد جامعا آخر هو الآخر قمة في الجمال وقد خصص للمنتمين للمذهب السني، ولكي أشبع فضولي رحت أسأل أحد المرافقين إن كان هناك صراع طائفي بسلطنة عمان، فأجابني بكل ثقة: “لا فرق بين الإباضي ولا السني ولا الشيعي إلا بالتقوى، فحتى السلطان قابوس بن سعيد، يؤدي صلواته في أي مسجد حل به، فلا يفرق بين مسجد وآخر” ليضيف: “سلطاننا قد استطاع أن يلم شمل المذاهب الثلاثة وتمكن أن يمحي آثار الطائفية التي أصبحت من الماضي ولا وجود لها في حاضرنا، إلى درجة أنه لا يتأخر لحظة في إعطاء الأوامر والتعليمات لضمان السير الحسن لأي مناسبة دينية يحييها الشيعيون، فتجدهم يمارسون طقوسهم بكل حرية ولا أحد يتدخل فيهم فالشعب العماني موحد لا تفرقه الطائفية لأن الذي يجمعهم هو دين الإسلام.
طرقات سريعة بلا زحمة..وشوارع نظيفة “بامتياز”
شعرت بإرهاق شديد في اليوم الثاني من أشغال المؤتمر 28 الذي نظمته وزارة الأوقاف العمانية بالتنسيق مع الأكاديمية اللاتينية، فاستسمحت من المنظمين مغادرة القاعة، وفي طريقي إلى الفندق طلب أحد الصحافيين من سائق الحافلة التوقف في مدينة مطرح الشهيرة المطلة على البحر لتصوير بعض المشاهد، حينها لم أشأ تفويت فرصة الاستمتاع باستنشاق هواء البحر النقي والتأمل في المناظر الخلابة، التي تبعث على الاطمئنان، فأخذت لنفسي مكانا وجلست بأحد المقاعد، فلفت انتباهي كهل شديد السمرة، نحيفا وله شعر كثيف، كان يرتدي بدلة خاصة بالعمل ويحمل بيده مكشطة أو ما يعرف لدينا “بالكراطة” وقطعة قماش، يتوقف للحظات قبالة الجدار الذي يفصل بين البحر والرصيف المشيد بالإسمنت والمزين بأجود أنواع الرخام، ليواصل المشي، بقيت أراقبه من بعيد إلى غاية أن أصبح بالقرب مني، استغربت ولم أستوعب ما كان يقوم به ذلك الكهل فرحت أسأل أحد المرافقين، فأجابني بعفوية مطلقة “إنه يقوم بتنظيف الرخام لكي يحافظ على جماله ورونقه”…بقيت مندهشة للحظات لما سمعت الجواب فرحت أقلب أفكاري المشوشة من شدة إعجابي بالمشهد الذي رأيته.. ولكم أن تتخيلوا شوارع السلطنة وطرقاتها السريعة الواسعة والنظيفة “بامتياز”، فخلال تواجدي بمسقط العاصمة لم أصادف شيئا اسمه عذاب الاختناق في حركة المرور، فالجميع يصل في الموعد والكل يحترم إشارات المرور…