سنة الإسلام في”المؤلفة قلوبهم”
ما كان ينبغي لأمة لها ما للمسلمين من موروث ثقافي وسياسي ثري ومتنوع أن تتقوّت على فتات الحضارة الغربية بحثا عن حلول لمشاكل المجتمع المسلم. فقد كان بوسع المجتمعات الإسلامية أن تعود للمبادئ الأساسية التي نشأت عليها أول دولة للمسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وطورها بعده الصحابة في العقود الثلاث الأولى، كان لها الفضل في التمكين الباهر لأمة من الأعراب، كانت إلى وقت قريب تعيش خارج التاريخ، وعلى هامش مسار التمدن.
ليس هنا متسع للتذكير بجميع المبادئ التي أخذت بأسبابها الخلافة الراشدة، وسمحت للمسلمين بتجاوز أول وأعظم اختبار لهم بعد وفاة الرسول، لكن يحسن بنا أن نتوقف عند أحد المبادئ التي رسخها الرسول صلى الله عليه وسلم في اليوم الأول لفتح مكة، حين أخذ بيد الطرف المهزوم، تحت عنوان”المؤلفة قلوبهم” بإدماج من بقي من قادة صف المشركين، ليس فقط بحماية ممتلكاتهم وأعراضهم وأنفسهم من الانتقام، بإصدار ما يعبر عنه اليوم بالعفو الشامل تحت مصطلح “الطلقاء” بل أشركهم في منظومة التكافل والتضامن عبر تخصيص نصيب خاص من الصدقات لـ”المؤلفة قلوبهم” وأخيرا سارع بإدماج النوابغ منهم من قادة الحرب والإدارة في المنظومة القيادية للدولة المسلمة الفتية، وعلى هذا النهج المتسامح سار الخلفاء الراشدون من بعده.
بمثل هذه الإجراءات البسيطة، أفرغ الرسول صلى الله عليه وسلم بؤر المعارضة المسلحة للنظام الجديد ليس فقط في مكة، بل عند أكثرية القبائل العربية التي لم تكن قد دخلت الإسلام بعد، وشجعها على الدخول في الإسلام ما رأته من تسامح مع ألد الخصوم، وإشراكهم دون إقصاء في مؤسسات الدولة، وفي نصيبهم من المال العام.
أسوق هذا المثل من جهة الاعتبار والإقتداء بسياسة الرسول صلى الله عليه وسلم، التي علمتنا كيف ينبغي أن نتعامل مع الخصوم في حالة الخصومة كما في حالة السلم، فقد كان بوسع من دعا إلى سياسة الوئام اليوم إلى تفعيل أدواته على هذا المنوال، بإعادة إدماج الكتلة من القادة والمناضلين من جبهة الإنقاذ إدماجا تاما في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إدماجا يؤلف قلوبهم، ويحول بينهم وبين الانخراط مجددا في دروب الفتنة، كما كان بوسع القوة المنقلبة في مصر على حكم الإخوان أن تبادر إلى تأليف القلوب، بدل الدخول في مسار أمني سوف يحول قاعدة الإخوان إلى حاضنة لإرهاب مستدام يستوطن مصر لعقود، حتى بعد أن ينجح الإنقلابيون في تعضيد حكمهم كما نجح نظراؤهم في الجزائر.
وفي المقابل يفترض من الطرف الآخر أن يقبل بعروض الوفاق والوئام والتصالح كلما سنحت الفرصة، فمن مصلحة قيادة جبهة الإنقاذ اليوم أن تحول الدعوة التي وجهت لبعض قادتها للمشاركة في الحوار حول تعديل الدستور إلى فرصة لبحث سبل عودة الجبهة إلى الحياة السياسية ككيان سياسي شرعي، مطالب بإعادة تأطير قاعدته الشعبية وإدماجها مجددا في الحياة السياسية، بدل التسوق بها في سوق النخاسة عند كل استحقاق أو اصطفاف تصادمي بين النظام والمعارضة.