سوء التغذية وسوء التربية
التحق أمس “أكبادنا التي تمشي على الأرض” – كما يقول الشاعر أبو تمام- بمدارسهم التي هي في ثقافتنا “مغارس” لغرس قيم النبل والخير والجمال، و”رباطات” لتعليم العلم ومبادئ العزة والشرف، وإعدادهم لمعارك الحياة.. النفسية والأجنبية.. فقديما قال حكيمنا: “ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدّم”.
لقد ابتلانا الله- عز وجل- وما هو بظلام لنا- بأخبث ما وجد على الأرض، وهو الاستعمار الفرنسي، الذي بدأ منذ أول يوم له في هذه الأرض الطاهرة يطبق أقذر مخطط يستهدف الإنسان الجزائري في إنسانيته لتوحيشه.. بتدمير تلك المغارس النبيلة وتلك الرباطات الجليلة، وهي –كما قلنا- “قلاع” تحصين الأمة..
أدركت فرنسا أن المساجد في حضارتنا هي مدارس ومعاهد قبل أن تكون معابد، فراحت تهدمها بوحشية لا مثيل لها في التاريخ، واستولت على ما تقوم عليه تلك المعاهد والمعابد من أوقاف، وقتلت وهجرت من يعمر تلك المعاهد والمعابد من علماء أماجد.. وكانت فرنسا تستعجل تحقيق هدفها الخسيس.. ويكفي أن أذكر رقما واحدا تدليلا وبرهنة على أكبر جريمة وأبشع خيانة ارتكبتها فرنسا في الجزائر، بل في العالم.. فمن بين الاثني عشر ومائة مسجد كانت في مدينة الجزائر “الصغيرة” لم تبق فرنسا التي جاءت –كما كذبت – لـ “تحضرنا” إلا أربعة مساجد بشهادة كبار مجرميها.. ثم ملأتها بأماكن الفاحشة لتشيع فينا، فنتديث، وبإغراقها بالخمور لتقتل فينا العقل، وبالكنائس لتنشر فينا التثليث..
أكرم الله آباءنا فهداهم إلى تأسيس “جمعية العلماء” التي أدركت هدف فرنسا الأخبث والأخس، فعاهدت الله واستعانت به أن تتصدى لهذا المخطط الإجرامي مهما يكلفها ذلك من تضحيات.. فكان التعليم بأوسع معانيه هو محور نشاطها، فالتعليم هو الضامن لبقاء الأمة، وهو الكفيل لاسترداد الدولة.. هذا التعليم المحاط بدءا وختاما بـ “التربية”، إسلامية، ووطنية، ومدنية.. وكم عرفنا وشاهدنا وسمعنا عن أناس لهم نصيب من العلم، ولكنهم كانوا خونة لدينهم وقومهم ووطنهم.. وما يزال من أحفادهم من يفعل ذلك..
وأرادت فرنسا أن تدس أنفها في مدارس “جمعية العلماء” لتفسدها، فجاءها الجواب على من استأمنته الأمة على ميراثها وعرضها وشرفها، الإمام محمد البشير الإبراهيمي الذي خاطب فرنسا قائلا: “إن هذه الأمة رضيت لأبنائها سوء التغذية، ولكنها لا ترضى لهم –أبدا- سوء التربية، وإنها صبرت مكرهة على أسباب الفقر، ولكنها لا تصبر –أبدا- على موجبات الكفر”. (آثار الإمام الإبراهيمي.ج 3ص221).
إن فرنسا تحس أن فرصتها قد حانت لإفساد المنظومة التربوية في الجزائر.. وراحت توسوس كالشيطان في صدور أوليائها في الجزائر ليضربوا ضربتهم القاضية، فينشأ جيل “مائع” لا طعم له، ولا لون له، ولا رائحة له.. أي لا دين صحيح له، ولا وطنية حقيقية له. وإن أبناء الجزائر الأصلاء الأوفياء لن يسكتوا عن هذه الجريمة كما لم يسكت آباؤهم ولن تغرّنا تصريحات “تلفزيونية” نعلم أنها “كاذبة”، والله يشهد أن أصحابها “لكاذبون”.. والعاقبة للأبناء كما كانت العاقبة للآباء .. و”إياك أعني، واسمعي يا جارة”.